نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٧ - القسم الثاني
القسم الثاني
«أَلا وَإِنَّ الدُّنْيا قَدْ وَلَّتْ حَذَّاءَ؛ فَلَمْ يَبْقَ مِنْها إِلَّا صُبابَةٌ كَصُبابَةِ الْإِناءِ اصْطَبَّها صابُّها. أَلا وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَلِكُلٍّ مِنْهُما بَنُونَ. فَكُونُوا مِنْ أَبْناءِ الْآخِرَةِ وَلا تَكُونُوا مِنْ أَبْناءِ الدُّنْيا. فَإِنَّ كُلَّ وَلَدٍ سَيُلْحَقُ بِأَبِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلا حِسابَ، وَغَداً حِسابٌ وَلا عَمَلَ».
الشرح والتفسير
واصل عليه السلام خطبته التي ابتدأها بذم إتباع الهوى وطول الأمل الذان يصدان عن الحق وينسيان الآخرة، وبالتالي يحولان دون سعادة الإنسان وفلاحه، ليقدم تحليلًا رائعاً عن أوضاع الدنيا والآخرة فقال
«ألا وإنّ الدنيا قد ولت حذاء [١]، فلم يبق منها إلّاصبابة كصبابة [٢] الاناء إصطبها صابها».
فقد شبهت الدنيا هنا بالكائن الذي يعود بسرعة إلى مسيرته، الأمر الذي يفيد حقيقة الحركة السريعة لعمر الإنسان، الحركة الخارجة عن إرادة الإنسان وتشمل كافة الكائنات الحية سوى الذات الإلهية المطلقة، ولا يستثنى من تلك الحركة الكواكب والمجرات والسموات والارضين لتنتهي إلى الفناء والزوال الدنيوي ليكون نافذة على عالم الخلود والبقاء. فالطفولة تتحرك نحو الفتوة والشباب، والفتوة تنطلق نحو الكهولة التي تنتهي بالموت، هذا إذا جرت الامور وفق القانون الطبيعي والاقد يتساقط بعض الاطفال والشباب من هذه القافلة لتنتهي
[١] «حذاء» كما ورد في تفسير السيد الرضي (ره) وشرّاح نهجالبلاغة بمعنى السريع، من مادة حذ على وزنحظ بمعنى القطع، أو القطع السريع، ثم اطلقت على كل حركة سريعة، وحذا مؤنث إحذاً.
[٢] «صبابة» بالضم البقية من الماء واللبن في الإناء، والضمير في اصطبها وصابها يعود الى الصبابة، لأنّ الإناء مذكر والضمير المؤنث لا يعود اليه.