نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٢ - السياسة الإلهية والشيطانية
أدهى الناس» [١]
وقال عليه السلام:
«أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه؛ واللَّه لا أطور به، ما سمر سمير، وما أم نجم في السماء نجماً» [٢]
والاختلاف بين هاتين الرؤيتين في السياسة الإلهية والسياسة الشيطانية هو الذي يجعل بعض الأفراد يشكلون أحياناً على الساسة الربانيين ويحملون أعمالهم على السذاجة وعدم المعرفة بفنون السياسة، بينما يغفلون عن حقيقة كبرى وهى أنّ هؤلاء الأفراد إنّما يحثون السير إلى عالم آخر لا تجيز مبادئه وضوابطه التشبث بأي أسلوب وطريقة. فمثلًا لما غلب معاوية أهل العراق على الماء منعهم منه، فلما حمل أهل العراق إنكشف أهل الشام عن الماء، وملك أهل العراق المشرعة- فقال أصحاب علي عليه السلام: أمنعهم الماء يا أميرالمؤمنين كما منعوك- فقال: «لا، خلوا بينهم وبينه، لا أفعل ما فعله الجاهلون. [٣] والّا عجب من ذلك عدم إلتفات رسولاللَّه صلى الله عليه و آله إلى أصحابه الذين أشاروا عليه بمنع اليهود الماء حين محاصرة قلاع خيبر فلم يجبهم صلى الله عليه و آله» [٤] ويتعجب أولئك الغافلون حين يسمعون مسلم بن عقيل وقد إمتنع عن قتل إبن زياد غيلة في دار هانئ بن عروة قائلًا:
«الإيمان قيد الفتك» [٥]
. أضف إلى ذلك فانّ علياً عليه السلام إمتنع عن قتل عمرو بن العاص في صفين حين كشف عن عورته. فكل هذه الامور لايرونها تنسجم والسياسة، بل السياسي الفذ في نظرهم من يدافع عن العهدو والمواثيق ويلتزم بالمبادئ إذا كانت تجري لصالحه، وإلّا فلابدّ أن يضربها جميعا عرض الحائط. فالسياسي الورع والمتقي يرى النصر على الأعداء إنّما يحتل الدرجة الثانية، والدرجة الاولى تتمثل بحفظ المبادئ ورعاية القيم والمثل. والجدير بالذكر ما أورده ابن أبي الحديد في شرحه لنهجالبلاغة حين تحدث عن مروءة ووفاء أحد أحفاد الإمام الحسن المجتبى عليه السلام هو إبراهيمبن عبداللَّه فقال: «وكان لغير إبراهيم عليهالسلام من آل أبي طالب من هذا النوع أخبار كثيرة، وكان القوم أصحاب دين ليسوا من الدنيا بسبيل، وإنّما يطلبونها ليقيموا عمود الدين بالامرة فيها، فلم يستقم لهم، والدنيا إلى أهلها أميل».
[١] نهجالبلاغة، الخطبة ٢٠٠، وروي عنه عليه السلام أنّه قال: «لولا التقى- أو لولا الدين والتقى لكنت أدهى العرب». شرحنهجالبلاغة لابن أبي الحديد ١/ ٢٨.
[٢] نهجالبلاغة، الخطبة ١٢٦.
[٣] تأريخ الطبري ٣/ ٥٦٩.
[٤] سيد المرسلين ٢/ ٤٠٨ تقلًا عن السيرة الحلبية ٣/ ٤٠.
[٥] بحارالانوار ٤٤/ ٣٤٤.