نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٥ - ٢- تعارض الحق والمصلحة!
ساسة الدنيا في هذه الحالة إلى المصلحة ويقدمونها على الحق. والتأريخ مليىء بنماذج هذا التعارض وما أكثره في عصرنا الراهن حيث نشاهده كل يوم- أما أولياء الله والقادة الربانيين فهم لا يترددون في إيثار الحق. وفي مقدمتهم أميرالمؤمنين علي عليه السلام الذي سلك الحق مع أعدائه فضلًا عن أصحابه فقد قيل بأن العدل في تقسيم بيت المال حقاً لكنه لا يتفق مع المصلحة ولابد من تقديم الأشراف والأثرياء على غيرهم في مقابل الحد من سهم الضعفاء، بينما كان الإمام عليه السلام لا يتهاون في إجراء العدل وإن شقّ على صحبه وإنفرجوا عنه وإلتحقوا بعدوه، ولعلنا نلمس ذلك في هذه الخطبة وسائر خطب نهج البلاغة. ولعل أغلب هذه المشاكل لم تكن لتظهر على السطح لو تسلم الإمام عليه السلام ذمام الأمور بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه و آله كما أمر الله ورسوله بذلك، إلا أن قضية التمييز في العطاء قد ظهرت على عهد الخلفاء وبلغت ذروتها على عهد عثمان الذي كان ينفق المال على بطانته وقرابته دون حساب، حتى طبعوا على هذه الإمتيازات فصعب إعادتهم إلى الحق وجادة الصواب. أضف إلى ذلك فإن إزدياد حجم الغنائم وكثرة أموال بيت المال هى الأخرى كانت سبباً لأن يضحي البعض كطلحة والزبير- وهما من السابقين إلى الإسلام وصحابة رسول الله صلى الله عليه و آله- بالحق من أجل مصالحهم الشخصية، ومن هنا تعقدت المشاكل التي إعترضت حكومة الإمام عليه السلام- إلا أن أميرالمؤمنين عليه السلام ورغم علمه بظهور ما لا يحصى من المشاكل إن هو آشر الحق على المصلحة، لكنه لم يتخل عن سياسته المعهودة لعلمه بأن الهزيمة والخذلان تكمنان في إيثار المصلحة على الحق، ناهيك عن كون نفس هذا الإيثار يعني تعطيل أحد القيم الإسلامية، في حين إحياؤها ونقلها للأجيال المستقبلية يفوق أهمية تحقيق بعض الإنتصارات الوقتية ولعل هذا الأمر يشكل ردا على أكثر الأسئلة التي تطرح بشأن حكومة علي عليه السلام- وهذا ما سنتحدث عنه في حينه في الأبحاث القادمة إن شاء الله.