نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩ - المعذّرون المفتضحون!
ويواصل الإمام عليه السلام كلامه قائلًا: «وإن أعظم حجتهم لعلي أنفسهم». حيث يميط اللثام عن الدافع الرئيسي وهو أنّ هؤلاء كانوا يرغبون باستمرار الأوضاع التي كانت سائدة على عهد عثمان، فتجعل لهم بعض الامتيازات في بيت المال، غير أنّ ذلك العهد ولى واندرس وليس هنالك من سبيل إلى عودته إلى مسرح الأحداث ثانية: «يرتضعون امّا قد فطمت ويحيون بدعة قد اميتت».
كما وردت عدة تفاسير لقوله عليه السلام: «اما قد فطمت» منها أن يكون المراد تلك السنن الجاهلية والبدع والعصبية التي كانت سائدة قبل الإسلام، حيث يتشبثون بكل الوسائل الأخلاقية من أجل الحكومة، فأمير المؤمنين يصف ذلك العهد بالام التي فطمت فلم تعد هنالك من وسيلة لتحقيق المطامع» [١].
ويبدو أنّ هذا التفسير يناسب العبارة الثانية «ويحيون بدعة قد اميتت» لا العبارة الاولى، كما أنّ جمع العبارتين بمعنى واحد يخالف ظاهر اللفظ. في حين ذهب البعض إلى أنّ المراد أنّهم بمطالبتهم بدم عثمان إنّما يريدون احياء أيام حكومته، رغم أن هؤلاء المطالبون بدمه هم من بين الأفراد الذين ثاروا عليه وسببوا قتله ومن هنا أرادوا أن يرتضعوا أما قد فطمت.
وبالطبع فانه يمكن الجمع بين كل هذه المعاني، وإن بدأ المعنى الأول أنسب. فالنتيجة التي ستتمخض عنها حركة هؤلاء الافراء سوف لن تكون سوى الفشل الذريع؛ الأمر الذي عبر عنه الإمام عليه السلام بالقول «يا خيبة الداعي! وإلام أُجيب» [٢]. والواقع انهذه العبارة تكهن بالنتيجة التي ستؤول اليها معركة الجمل. فالإمام عليه السلام يعلن أنّ عاقبتهم ستكون الفشل والهزيمة؛ عاقبة الغدرة الذين خططوا لقتل عثمان ثم انبروا للمطالبة بدمه ففرقوا صفوف المسلمين فضلوا طائفة من الناس وخسروا الدنيا والآخرة. ثم قال الإمام عليه السلام: «وإنّي لراض بحجة اللَّه عليهم وعلمه فيهم» ولعل مراده بحجة اللَّه، ما ورد في الآية القرآنية بشأن البغاة «وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَت إِحْداهُما عَلى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي
[١] منهاج البراعة ٣/ ٣١٠.
[٢] «الخيبة» بمعنى اليأس، والمراد بالداعي هنا طلحة والزبير الذين دعوا الناس للخروج على عثمان. وقولهإلام اجيب، تحقيراً لاولئك الذين اتبعوهما دون دليل.