نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٥ - القسم الرابع الاتعاظ بالماضين
في كتاب البيان والتبيين وذكر من نسبها إلى معاوية، ثم تكلم من بعدها بكلام في معناها، جملته أنّه قال: وهذا الكلام بكلام علي عليه السلام أشيه، وبمذهبه في تصنيف الناس، وفي الأخبار عما هم عليه من القهر والاذلال، ومن التقية والخوف، أليق. قال: ومتى وجدنا معاوية في حال من الأحوال يسلك في كلامه مسلك الزهاد ومذهب العباد.
الدنيا في عين أولياء الله.
ماورد في الخطبة بشأن الأصناف الخمسة في عصر الإمام عليه السلام (من يقعد به عن طلب الإمرة قلّة ماله، ومن يطلب الامارة ويفسد في الأرض، ومن يظهر ناموس الدين ويطلب به الدنيا، ومن لامال له أصلًا ويطلب الملك ولايطلب الدنيا، وأولياء اللَّه الاتقياء الأبرار) لا يقتصر على عصر الإمام عليه السلام وزمانه، وهم متواجدون في كافة المجتمعات الماضية والمعاصرة والآتية، وإنّ كافة المشاكل التي تعاني منها المجتمعات إنّما تنشا من الأصناف الأربعة المذكورة، التي سفكت الدماء وأحرقت الاخضر واليابس وجرعت اتباع الحق صنفوف الأذى والعذاب.
مع ذلك فان الدنيا لم تف لهم وقد أتت عليهم حتى آخرهم ليكونوا عبرة لمن بعدهم.
أما العبارات التي أوردها الإمام عليه السلام بشأن كل صنف وعلاماته وصفاته جعلت من اليسير التعرف عليهم.
ولما كان حبّ الدنيا والتعلق بحطامها هو مصدر الشر والفساد الذي سلكته هذه الأصناف، فانّ الإمام عليه السلام إختتم خطبته بتصوير حقيقته الدنيا بما يجعل العاقل لا يعيرها أدنى أهمية، فقد وصفها بادى ذي بدء بانها اتفه من حثالة القرظ (و هو ما يسقط من ورق السلم أو ثمر السط يدبغ به ممّا لاخير فيه ولا قيمته له)، ثم أشار إلى تقلب حال الدنيا وعدم دوامها وكيف قضت على الماضين وجعلتهم عبرة للآخرين.
فقد ورد في حديث أن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله مر بجثة حيوان متعفنة ملقاة على الطريق فأومأ إليها قائلًا: أترون هذه هنية على أهلها؟ فو اللَّه الدنيا أهون على اللَّه من هذه على أهلها» ثم واصل صلى الله عليه و آله حديثه عن الدنيا قائلًا: الدنيا دار من لادار له ومال من لامال له ولها يجمع من لاعقل له وشهواتها يطلب من لافهم له وعليها يعادي من لا علم له وعليها يحسد من لا فقه له ولها يسعى من لايقين له» [١].
[١] بحار الانوار ٧٠/ ١٢٢.