نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٣ - القسم الرابع الاتعاظ بالماضين
القسم الرابع: الاتعاظ بالماضين
«فَلْتَكُنِ الدُّنْيا فِي أَعْيُنِكُمْ أَصْغَرَ مِنْ حُثالَةِ الْقَرَظِ وَقُراضَةِ الْجَلَمِ وَاتَّعِظُوا بِمَنْ كانَ قَبْلَكُمْ، قَبْلَ أَنْ يَتَّعِظَ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَارْفُضُوها ذَمِيمَةً، فَإِنَّهَا قَدْ رَفَضَتْ مَنْ كَانَ أَشْغَفَ بِهَا مِنْكُمْ».
الشرح والتفسير
يدعو الإمام عليه السلام الناس في ختام هذه الخطبة بعبارات مقتضبة بعيده المعاني إلى الزهد في الدنيا بصفته مفتاح سعادة الإنسان بعد أن ذكر صفات الأصناف الأربعة الأثيمة والصنف الخامس الذي يمثل الاتقياء من أولياء اللَّه، مؤكدا على أن البؤس والشقاء الذي طال الأصناف الأربعة إنّما يستند إلى حب الدنيا والتعلق بزخارفها.
فقال عليه السلام:
«فلتكن الدنيا في أعينكم أصغر من حثالة [١] القرظ وقراضة [٢] الجلم [٣]».
والتشبيهات رائعة غاية في الدقة، فالقرظ (على وزن مرض) بمعنى ورق الأشجار الذي يستفاد منه لدبع الجلود حتى يشدها ويجعلها أكثر فائدة، وبالطبع فإن الحثالة التي تطرح بعد الاستفادة تكون قذرة ومتعفنة ومدعاة للنفرة، وكذلك حين تقص أصواف الحيوانات تطرح بعض القطعات الصغيرة منه على الأرض دون أن يكون لها أدنى فائدة. فالتشبيه الأول
[١] «حثالة» بالضم: القشاوة وما لاخير فيه، واصله ما يسقط من كل ذي قشر، ومن هنا تطلق الحثالة على حشاشة الدهن المتساقطة.
[٢] «قراضة» من مادة «قرض» بمعنى قطف الشي وتطلق على القطع الصغيرة المتناثرة من المقراض ومن هنا يطلق المقراض على المقص.
[٣] «جلم» على وزن قلم بمعنى المقراض.