نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٠ - القسم الثالث الصنف الخامس أولياء الله
كيف لا وهو اليوم الذي تطرح فيه الحجب وتبلى فيه السرائر وتتمثل الأعمال التي صدرت من الإنسان طيلة عمره فتنتظر الحساب والجزاء.
ويرى بعض شرّاح نهج البلاغة [١] أنّ المرجع في العبارة المذكورة بمعنى القبر والمحشر القيامة، ولكن بالاستناد إلى التعبيرات القرآنية فان المفردتين وردتا بمعنى واحد، وعليه فيبدو الفارق في عدم تكرار اللفظ لا المعنى.
والواقع أنّ هذه التعبيرات قد اقتبست من الآية القرآنية الشريفة «رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ وَالأَبْصار». [٢]
ثم تطرق عليه السلام إلى مصير هذا الصنف في المجتمعات التي تسودها الأصناف الأربعة، بحيث لاينجو كل فرد فيه من خمس: النزوح من البلد والتشريد والتغريب، الخوف واللواذ في زاوية، السكوت والصمت، الاشتباك بفعل عدم إعارتهم الاذان الصاغية وسماع كلماتهم الحق أو الدعوة إلى اللَّه باخلاص بعيون باكية وقلوب حرى أملا في التأثير
«فهم بين شريد [٣] ناد [٤] وخائف مقموع [٥] وساكت مكعوم [٦] وداع مخلص وثكلان [٧] موجع».
وبالالتفات إلى «شريد» وناد من مادة فد بمعنى المنفرد الهارب من الجماعة إلى الوحدة [٨] فانّ العبارات المذكورة إشارة إلى أنّ هولاء الأفراد ليسوا مع بعضهم حتى في المنفى، وكل واحد منهم قد قذف في بقعة؛ فالطغاة يخشون حتى اجتماعهم في المهجر والعبارة «خائف مقموع» إشارة إلى أنّ الطغاة لايكتفون بتهديد هؤلاء الأفراد وإرعابهم، بل لايتورعون عن التضييق
[١] في ظلال نهج البلاغة، الخطبة المذكورة.
[٢] سورة النور/ ٣٧.
[٣] «شريد» من مادة «شرد» بمعنى هروب الناقة، ثم اطلقت على كل من يهرب من قومه.
[٤] «ناد» من مادة «ند» بمعنى المنفرد الهارب من الجماعة إلى الوحدة.
[٥] «مقموع» من مادة «قمع» بمعنى المقهور والمغلوب، وتعني الاقتلاع أيضاً.
[٦] «مكعوم» من مادة «كعم»، كعم البعير بمعنى شد فاه، ثم اتسعت لتطلق على كل فم يشد.
[٧] «ثكلان» من مادة «ثكل» بمعنى فقد الاحبة، كما وردت بالنسبة للإنسان الذي يعيش العزاء بمعنى الشخص الباكى الحزين.
[٨] شرح نهج البلاغة محمد عبده والعلامة الخوئي وابن أبي الحديد.