نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢١ - القسم الأول الدنيا والآخرة عند الإمام علي عليه السلام
فليس هنالك من مجال للحسنات والتوبة من السيئات وتهذيب النفوس وتطهيرها، ولابدّ من إعداد هذه الامور في الحياة الدنيا. وعليه فلا ينبغي أن ينسى الأفراد هذه الحقيقة وهى إن عدم التزود في الدار الدنيا والتأهب الروحي والمعنوي فانّ النتيجة النهائية للسباق في الآخرة لن تكون سوى الفشل والخيبة والخسران التي تعني هناك نار جهنم. والجدير بالذكر هنا أنّ الفائزين هناك يتفاوتون في الدرجات، فهناك الفائز الأول والثاني والثالث وهكذا؛ الأمر الذي يتجسد بوضوح في عالم الآخرة ودرجاتها. فيتضح ممّا تقدم أنّ السباق بمعنى المسابقة والسبقة بمعنى الهدف والغاية التي ينبغي للمتسابق أن يصل إليها، والسبقة على وزن لقمة بمعنى الجائزة وقد علق المرحوم السيد الرضي (ره)- في ذيل هذه الخطبة كما سيأتي- على تعبير الإمام عليه السلام:
«والسبقة الجنّة والغاية النار»
فقال: لم يقل عليه السلام السبقة النار كما قال السبقة الجنّة؛ لأنّ الاستباق إنّما يكون إلى أمر محبوب، وغرض مطلوب، وهذه صفة الجنّة وليس هذا العنى موجوداً في النار، فخالف الإمام عليه السلام بين اللفظين لاختلاف المعنيين. ولا يبدو هنالك من تعارض بين كلامه عليه السلام والآية الشريفة «سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالأَرْضِ» [١]؛ لأنّ «سابقوا» لا تعني السباق في هذا العالم، بل تعني التأهب من أجل سباق الآخرة، والدليل على ذلك أنّها جعلت الجنّة هى الهدف النهائي لهذه المسابقة، بعبارة اخرى فان السباق هنا نحو الخيرات والصالحات، أمّا السباق هناك نحو الجنّة التي تمثل حصيلة الأعمال. ثم أشار عليه السلام في النقطة الرابعة إلى واحدة من أهم أمتعة السفر الأخروي الخطير وهى التوبة فقال:
«أفلا تائب من خطيئته قبل منيّته [٢]، ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه»
فهذه التعبيرات- التي تهدف إلى إثارة العارفين والعمل على تشجيعهم إلى جانب تنبيه الغافلين وإيقاظهم- هى في الواقع تمثل النتيجة المنطقية للعبارات السابقة، وذلك إذا كانت الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع وإنّ الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع، وإنّ اليوم المضمار وغداً السباق والسبقة الجنّة والغاية النار فلم لا يتوب أهل الحجى والعقل وينيبوا إلى
[١] سورة الحديد/ ٢١.
[٢] «منية» من مادة «منى» على وزن نقى، قال صاحب مقاييس اللغة بمعنى تقدير الشيء، ثم اطلقت علىالموت والأجل، لأنّ الموت أمر مقدر، وتطلق المنى على الأماني التي تدور في خلد الإنسان.