نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٨ - تأمّل علة هذا الذم
تأمّل: علة هذا الذم
إنّ أدنى نظرة إلى كلام أمير المؤمنين علي عليه السلام في هذه الخطبة تثير السؤال التالي: لم كل هذا الذم من الإمام عليه السلام لأهل الكوفة حتى خاطبهم لاحقاً
«لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم معرفة واللَّه جرت ندماً وأعقبت سدماً، قاتلكم اللَّه لقد ملأتم قلبي قيحاً وشحنتم صدري غيظاً وجر عتموني نغب التهام أنفاساً، وأفسدتم علي رأيي ...»
. ولعل أدنى نظرة إلى تأريخ الكوفة وأهلها ونقض المواثيق ونكث البيعة والنفاق والضعف والوهن الذي سادها تفسر لنا فلسفة هذا الذم القاسي والشديد. وكأنّ الإمام عليه السلام سلك السبيل الأخير الذي من شأنه علاج مرضهم العضال حيث لم تعد لهم حساسية تجاه أي شيء، فقد لجأ الإمام عليه السلام إلى هذا الاسلوب لعله يثير ما تبقى لديهم من مشاعر وأحاسيس تجاه عدوهم، وقد أثبتت الدراسات أنّ هذا الاسلوب عملي جداً تجاه بعض الأفراد من الناحية النفسية. فهذه الكلمات في الواقع تشير إلى مدى اليأس من تلك العناصر الضعيفة الهزيلة التي لم تجد معها النصائح والمواعظ أية فائدة.
بل الأعجب من ذلك أنّ كل هذه الكلمات اللاذعة لم تتمكن من إثارة يقظة وجدانهم، بحيث لم يلتحق به إلّاالنفر القليل حين تجهز للقاء الأعداء، ممّا اضطره إلى دعوة اولئك الأفراد الذين كانوا يقطنون القرى والمناطق المتاخمة لأطراف الفرات ويعبئها للقاء العدو. ولعل حالة أهل الكوفة تشبه إلى حد بعيد تلك الحالة التي سادت بني اسرائيل حين حرضهم نبيّهم موسى عليه السلام على قتال عدوهم وتحرير بيت المقدس، فقد ردوا عليه بالقول: «قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبّارِينَ وَ إِنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنّا داخِلُونَ ... فَاذهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا ههُنا قاعِدُونَ» [١]
[١] سورة المائدة/ ٢٢- ٢٤.