نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٧ - القسم الثالث الاجتماع على الباطل والفرقة عن الحق
هذا فراراً من الحر والقر [١]، فاذا كنتم من الحر تفرون، فأنتم- واللَّه- من السيف أفر!».
وكأنّ الميدان لا يصلح للقتال إلّافي أيّام الربيع وفي ظل الأرض المخضرة والحشائش النظرة والطيور المغردة والمياه المتدفقة، فيدحر الجند أعدائهم بعصا سحرية دون الحاجة إلى العدة والعدد.
وكأن هؤلاء الجهال قد تناسوا تأريخ الإسلام رغم عدم مرور فترة عليه بحيث زحف النبي صلى الله عليه و آله بصحبه من المدينة إلى تبوك بعد أن قطعوا تلك المسافة الشاسعة خلال الصحراء الجرداء وفي ظل حرارة الشمس المحرقة على تلك الرمضاء ولم يكن لديهم ما يكفي من الماء والغذاء، وهكذا تحملوا سائر الصعاب والمعضلات في الحروب والغزوات ليقفوا كالليوث أمام الأعداء من خصوم الدعوة، ولو كانوا يأتون ما أتى جيش الكوفة ويتعللون بما تعللوا به لما نمت شجرة الإسلام ولا اخضر لها عوداً، بل لم يكتب النصر لأيجيش في العالم حين يعيش الجنود حالة من الضعف والوهن والجبن، ولم يكن نصيبهم سوى الفشل والهزيمة والذلة والهوان. والواقع أنّ كلام هؤلاء ليشبه ما قاله الكفار والمنافقون من قبل في صدر الإسلام «لا تنفروا في الحر» فرد عليهم القرآن بالقول «قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ» [٢].
فأهل الكوفة كانوا يريدون بهذه الأعذار الواهية التهرب من مواجهة العدو وقتاله، حيث تسرب إليهم النفاق بفعل ضعف ايمانهم بمبادئ الإسلام وإمامهم علي بن أبيطالب عليه السلام.
على كل حال فانّ المجاهدين الحقيقيين الذين يقتحمون الميدان ويخوضون غمار الجهاد ويسطرون الانتصارات إنّما هم اولئك الذين لا يبالون بمصاعب الطقس والمناخ ولا يكترثون إلى مشاكل الطريق وتحمل العناء في هذا المجال، وممّا لاشك فيه ان العدو اذا شعر بأنّ خصمه يتحفظ عن القتال بسبب بعض المشاكل الطبيعية من قبيل حرارة الجو وبرودته فانّه سيستغل هذا الأمر كنقطة ضعف ويوظفها لصالحه بشن الحرب أملًا بتحقيق الانتصار.
[١] قر له معنيان؛ الأول البرد والثاني الاستقرار في مكان، ولا يبعد أن يعود المعنى الأول إلى الثاني، لأنّ البرد الشديد يصد الإنسان عن العمل.
[٢] سورة التوبة/ ٨١.