نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٥ - القسم الثالث الاجتماع على الباطل والفرقة عن الحق
القسم الثالث: الاجتماع على الباطل والفرقة عن الحق
«فَيا عَجَباً! عَجَباً- وَاللَّهِ- يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيَجْلِبُ الْهَمَّ مِنَ اجْتِماعِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ عَلَى باطِلِهِمْ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ! فَقُبْحاً لَكُمْ وَتَرَحاً، حِينَ صِرْتُمْ غَرَضاً يُرْمَى: يُغارُ عَلَيْكُمْ وَلا تُغِيرُونَ وَتُغْزَوْنَ، وَلا تَغْزُونَ وَيُعْصَى اللَّهُ وَتَرْضَوْنَ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي أَيَّامِ الْحَرِّ قُلْتُمْ هَذِهِ حَمارَّةُ الْقَيْظِ؛ أَمْهِلْنا يُسَبَّخْ عَنَّا الْحَرُّ. وَإِذا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي الشِّتاءِ، قُلْتُمْ: «هَذِهِ صَبارَّةُ الْقُرِّ أَمْهِلْنا يَنْسَلِخْ عَنَّا الْبَرْدُ! كُلُّ هَذا فِراراً مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرِّ فَإِذَا كُنْتُمْ مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرِّ تَفِرُّونَ؛ فَأَنْتُمْ- وَاللَّهِ- مِنَ السَّيْفِ أَفَرُّ!».
الشرح والتفسير
يتناول الإمام عليه السلام بالتحليل العوامل الاخرى لتقهقر أهل الكوفة وتراجعهم إلى جانب ذمهم ولومهم، بما يوقظ ضمائرهم ويدفع بهم باتجاه الصمود بوجه العدو والحؤول دون تسلله إلى البلاد، فقد قال عليه السلام
«فيا عجباً [١] عجباً- واللَّه- يميت القلب ويجلب الهم من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم»
. إنّما يكون التعجب والاندهاش حيث الامور التي تخرج عن المسار الطبيعي أو تكتنفها العوامل المجهولة أو غير المألوفة؛ الأمر الذي يطالب أنصار الحق ويوازع من إيمانهم القوي بالدفاع والصمود والمقاومة، بينما يقف أتباع الباطل
[١] يا عجباً عجباً، قال بعض شرّاح نهج البلاغة أن العبارة «فيا عجباً عجباً» أصلها «عجبت عجباً ...»؛ أي منصوبةعلى أنها مفعول مطلق. كما احتمل أن تكون عجباً الأولى من قبيل المفعول المطلق والثانية للتكرار والتأكيد (شرح نهج البلاغة لابن ميثم ٢/ ٣٦) وقال البعض تقديرها «يا عجبي احضر» (شرح نهج البلاغة للعلامة الخوئي ٣/ ٣٩٢) ويبدو هنا التفسير أنسب لأن تكون «عجباً» منادى.