نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٣ - ٣- الغيرة الدينية
لعل البعض يتصور أن قضية احترام الأقليات الدينية التي تعيش في كنف الإسلام وتكفل بحفظ أموالها وأرواحها إنّما هى شعار لا يرقى إلى العمل والتطبيق، إلّاأنّ أدنى نظرة إلى الفقه الإسلامي في كيفية تعامله مع أهل الذمة وكلمات المعصومين عليهم السلام بما فيها كلام الإمام عليه السلام في هذه الخطبة، تكشف بجلاء أنّ الإسلام يرى نفسه السند والدعم الحقيقي لهم ما دامهم لم ينقضوا العهود ويشهروا السلاح ضد الإسلام والمسلمين، وعليه فأموالهم وأرواحهم محترمة ومحفوظة. فقد أعرب الإمام عليه السلام في هذه الخطبة عن بالغ حزنه وأسفه لما تعرضت له المرأة اليهودية أو النصرانية التي تعيش كمواطنة في المجتمع الإسلامي ولم يفرق بينها وبين المرأة المسلمة قط، ثم ذم أهل العراق ووبخهم على ما أبدوه من ضعف وعجز حيال العدو وعدم الدفاع عن هذه النساء.
٣- الغيرة الدينية
المراد بالغيرة الدينية الحساسية تجاه أي خروج عن مسار الحق والعدل وتجاهل الأحكام الشرعية والتعامل بشدة وصرامة مع هذه الحالة بما يتناسب وحجمها والابتعاد عن اللامبالاة، ويفتقر لهذه الغيرة كل من تعامل ببرود مع هذه الامور ولم يبد أية حساسية تجاهها.
وقد صرح القرآن الكريم بخصوص بعض المقاتلين المؤمنين الذين لا يمتلكون المعدات التي تؤهلهم للاشتراك في المعارك قائلًا «وَلا عَلى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَ لّايَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ» [١].
فالآية تشير إلى مسألة تجعل الأفراد الذين لا يمتلكون الوسائل المطلوبة في القتال وتحول دون التحاقهم بصفوف المقاتلين يتحولون إلى دموع غزيرة؛ القضية لا يمكن تفسيرها سوى بالغيرة الدينية. وقد أشارت الخطبة إلى أحد مظاهر هذه الغيرة، حين قال عليه السلام:
«فلو أن امرأ مسلما مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً، بل كان به عندي جديراً»
. فالغيرة تشكل أحد العوامل المهمّة من أجل الدفاع عن حريم القوانين الإسلامية وإحياء الأمر بالمعروف
[١] سورة التوبة/ ٩٢.