نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٠ - القسم الثاني الموت كمداً
وإخماد فتنهم قبل أن يتأهبوا للقتال والعدوان.
ثم يعرض عليه السلام الدليل على ما أورده فقال:
«فواللَّه ما غزي قوم في عقر [١] دارهم إلا ذلولًا»
. ومن الواضح أن من يتعرض للهجوم في عقر داره إنّما يفقد معنوياته ويشعر بالهزيمة والفشل في نهاية الأمر من جانب آخر فانّ المهاجم الذي يتعرض إلى قوم في عقر دارهم لا يفكر أبداً في حفظ حرمة الدار، بل يدمر كل شيء فيها، أضف إلى ذلك فان مثل هذه الدار تصبح مسرحاً للقتال؛ الأمر الذي يؤدي إلى سفك دماء من فيها بما فيهم الصبية والنساء، وعليه فان مثل هذه الامور تشكل بمجموعها العناصر التي تؤدي إلى هزيمة القوم الذين يتعرضون للهجوم في عقر دارهم. ومن هنا ورد التأكيد على المقاتلين في كافة الغزوات الإسلامية (باستثناء بعض الغزوات والمعارك التي اكتنفتها بعض الظروف والملابسات كمعركة الأحزاب) بترك المدن والتصدي للأعداء خارجها. ثم يخلص الإمام عليه السلام إلى هذه النتيجة
«فتواكلتم [٢] وتخاذلتم حتى شنت [٣] عليكم الغارات وملكت عليكم الأوطان»
. التواكل يعني إيكال كل فرد عمله إلى آخر، بعبارة اخرى هو تخلي الفرد عن مسؤوليته والقائها على عاتق الآخرين بحيث تخلو الساحة. والتخاذل يعني عدم مد يد العون إلى الآخرين، بما يؤدي في خاتمة المطاف إلى تصدع عرى الاتحاد، بحيث لا يشعر العدو بأي رادع أو مانع يحول دون شنه لهجماته، وهذه أحد أبشع الصفات التي تسود المجتمعات البشرية بحيث يتقاعس كل فرد عن مسؤوليته ويقلدها ربقة الآخرين وينهمك كل في شؤونه الشخصية دون أن يوفر الدعم والإسناد لأخيه إذا ما تعرض لحملات الأعداء المسعورة، فلا يؤدي ذلك سوى إلى تلك النتيجة التي خلص إليها الإمام عليه السلام في أنّ العدو سيرى الميدان مفتوحاً أمامه فيشن حملاته- لتسقط المدينة تلو الأخرى دون أن يجابه بأدنى مقاومة. ثم يستشهد الإمام عليه السلام بمثال حي متطرقاً إلى واقعة الغامدي فيقول:
«وهذا أخو غامد وقد وردت خيله الأنبار وقد قتل حسان بن حسان البكري وأزال خيلكم عن
[١] «عقر» على وزن ظُهر بمعنى أساس الشيء وأصله ومنه عقر الناقة، وذلك لزوال أساس الناقة بحيث تفقدتوازنها وتقع على الأرض.
[٢] «تواكلتم» من مادة «وكل»، وكل كل منكم الأمر إلى صاحبه، أي لم يتوله أحد منكم، بل أحاله كل على الآخر.
[٣] «شنت» من مادة «شن»، وشنت الغارات مزقت عليكم من كل جانب كما يشن الماء متفرقاً دفعة بعد دفعة. والعبارة إشارة إلى الغارات المتوالية التي كان يشنها عليهم الشام.