الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٩ - نور الايمان في قلب الملكة
من تغييرات .. فقالت مباشرة: وَ أُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَ كُنَّا مُسْلِمِينَ.
أي، إذا كان مراد سليمان عليه السّلام من هذه المقدمات هو اطلاعنا على معجزته لكي نؤمن به، فإنّنا كنّا نعرف حقانيته بعلائم أخر .. كنّا مؤمنين به حتى قبل رؤية هذا الأمر الخارق للعادة فلم تكن حاجة إلى هذا الأمر.
و هكذا فأنّ سليمان عليه السّلام منعها وَ صَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ [١] بالرغم من إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ.
أجل، إنّها ودعت ماضيها الأسود برؤية هذه العلائم المنيرة، و خطت نحو مرحلة جديدة من الحياة المملوءة بنور الإيمان و اليقين.
و في آخر آية من الآيات محل البحث يجري الكلام عن مشهد آخر من هذه القصّة، و هو دخول ملكة سبأ قصر سليمان الخاص.
و كان سليمان عليه السّلام قد أمر أن تصنع إحدى ساحات قصوره من قوارير، و أن يجري الماء من تحتها.
فلمّا وصلت ملكة سبأ إلى ذلك المكان قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ [٢] فلما رأته ظنته نهرا جاريا فرفعت ثوبها لتمر وسط الماء و هي متعجبة عن سبب وجود هذا الماء الجاري، و كما يقول القرآن: فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها [٣].
[١]- للمفسّرين أقوال مختلفة في فاعل (صدّ) و أنّ (ما) هل هي موصولة أو مصدرية، فقال جماعة من المفسّرين. إن الفاعل هو سليمان كما بيّناه في المتن، و بعضهم قال: بل هو اللّه، و النتيجة تكاد تكون واحدة و طبقا لهذين التّفسيرين تكون «ها» مفعولا أوّلا و (ما كانت) مكان المفعول الثّاني، و إن كان أصلها جارا و مجرورا، أي و صدها سليمان أو اللّه عما كانت تعبد من دون اللّه. إلّا أن جماعة ذهبوا إلى أن فاعل صدّ، هو (ما كانت)، لكن حيث أن الكلام عن إيمانها لا كفرها فالتّفسير الأوّل أنسب .. و أمّا كلمة (ما) فقد تكون موصولة .. أو مصدرية.
[٢]- «صرح» معناه الفضاء الواسع، و قد يأتي بمعنى البناء العالي و القصر و في الآية المشار إليها آنفا معناه ساحة القصر أي فضاءه الواسع ظاهرا.
[٣]- «اللّجة» في الأصل مأخوذة من اللجاج، و معناه الشدّة، ثمّ أطلق على ذهاب الصوت و إيابه في الحنجرة تعبير