الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٥ - أنّهم عبدة الهوى
و الكافرين، و يثير الوجدان و يجعله حكما فيقول: أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ.
و لا شك أن وجدان يقظ يرجّح وعود اللّه و مواهبه العظيمة الخالدة، على نعم الدنيا التي لا تطول إلّا أيّاما و تتبعها آلام و شقاء خالد؟! جملة فَهُوَ لاقِيهِ تأكيد على أن وعد اللّه لا يتخلف أبدا و لا بدّ أن يكون كذلك، لأنّ تخلف الوعد إمّا ناشئ عن الجهل أو العجز، و كلاهما مستحيل على ذات اللّه المقدسة.
و جملة هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ إشارة إلى الإحضار في محضر اللّه يوم القيامة للحساب، و فسرها البعض بالإحضار في نار جهنّم، و لكن التّفسير الأوّل أنسب كما يبدو، و على كل حال فإنّ هذا التعبير يدل بصورة واضحة على أنّ المجرمين يساقون مكرهين، و على غير رغبة منهم إلى تلك العرصات المخوفة، و ينبغي أن يكون الأمر كذلك ... لأنّ وحشة الحساب و القضاء يوم القيامة و مشاهدها تغمر وجودهم هناك!.
و التعبير ب الْحَياةِ الدُّنْيا التي تكررت في سور مختلفة من القرآن الكريم، إشارة إلى حقارة هذه الحياة بالنسبة للحياة الأخرى و الخلود فيها و عدم الزوال و الاضمحلال، لأنّ كلمة «دنيا» في الأصل مأخوذة من «دنو» على زنة «غلو» و معناها القرب في المكان أو الزمان أو المنزلة و المقام، ثمّ توسّع هذا المفهوم ليطلق بلفظ «دنيا أو أدنى» على الموجودات الصغيرة التي تحت اليد في مقابل الموجودات الكبيرة، و قد يطلق هذا اللفظ على الموضوعات التي لا قيمة لها في مقابل الأشياء ذات القيمة العالية، و ربّما استعمل في القرب في مقابل البعد.
و حيث أن هذه «الحياة» في مقابل العالم الآخر صغيرة و لا قيمة لها و قريبة أيضا، فإنّ تسميتها بالحياة الدنيا تسمية مناسبة جدّا.