الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٩ - عمل صالح يفتح لموسى أبواب الخير
ثمانية أيّام، حتى لقي ما لقي من النصب و التعب، و ورمت قدماه من كثرة المشي.
و كان يقتات من نبات الأرض و أوراق الشجر دفعا لجوعه، و ليس له أمام مشاكل الطريق و أتعابه إلّا قلبه المطمئن بلطف اللّه الذي خلّصه من مخالب الفراعنة.
و بدأت معالم «مدين» تلوح له من بعيد شيئا فشيئا، و أخذ قلبه يهدأ و يأنس لاقترابه من المدينة، و لما اقترب ثمّ عرف بسرعة أنّهم أصحاب أغنام و أنعام يجتمعون حول الآبار ليسقوا أنعامهم و أغنامهم.
يقول القرآن في هذا الصدد: وَ لَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ [١].
فحركه هذا المشهد ... حفنة من الشبان الغلاظ يملأون الماء و يسقون الأغنام، و لا يفسحون المجال لأحد حتى يفرغوا من أمرهم .. بينما هناك امرأتان تجلسان في زاوية بعيدة عنهم، و عليهم آثار العفّة و الشرف، جاء إليهما موسى عليه السّلام ليسألهما عن سبب جلوسهما هناك و قالَ ما خَطْبُكُما [٢].
و لم لا تتقدمان و تسقيان الأغنام؟! لم يرق لموسى عليه السّلام أن يرى هذا الظلم، و عدم العدالة و عدم رعاية المظلومين، و هو يريد أن يدخل مدينة مدين، فلم يتحمل ذلك كله، فهو المدافع عن المحرومين و من أجلهم ضرب قصر فرعون و نعمته عرض الحائط و خرج من وطنه، فهو لا يستطيع أن يترك طريقته و سيرته و أن يسكت أمام الجائرين الذين لا ينصفون المظلوم! ..
فقالت البنتان: إنّهما تنتظران تفرق الناس و أن يسقي هؤلاء الرعاة اغنامهم:
[١]- «تذودان» مشتقة من «ذود» على زنة «زرد» و معناها المنع، فهما إذا كانتا تذودان أغنامهما لئلا تختلط بالأغنام الأخرى.
[٢]- ما خطبكما: أي ما شأنكما و ما شغلكما هنا؟!