الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦ - ٤- رواية «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث»
العلم و المعرفة فهو وارثهم الأصيل ... بصرف النظر عن الأموال التي يرثها عنهم، ثمّ إن هذا الحديث منقول في المعنى، و عبّر عنه تعبيرا سيئا و يحتمل أن يكون (ما تركناه صدقة) المستنبط من بعض الرّوايات مضاف عليه.
و لكي لا يطول بنا الكلام ننهي كلامنا ببحث للمفسر المعروف من أهل السنة «الفخر الرازي» الذي أورده ذيل الآية (١١) من سورة النساء إذ يقول: من تخصيصات هذه الآية «آية الإرث» ما هو مذهب أكثر المجتهدين، أن الأنبياء عليهم السّلام لا يورّثون، و الشيعة خالفوا فيه .. روي أن فاطمة عليها السّلام لما طلبت الميراث و منعوها منه احتجوا
بقوله عليه السّلام: «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث .. ما تركناه صدقة» ..
فعند هذا احتجت فاطمة عليها السّلام بعموم قوله: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ و كأنّها أشارت إلى أن عموم القرآن لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد.
ثمّ يضيف الفخر الرازي قائلا: إنّ الشيعة قالوا: بتقدير أن يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، إلّا أنّه غير جائز هنا و بيانه من ثلاثة أوجه:
«أحدها»: أنّه على خلاف قوله تعالى حكاية عن زكريا عليه السّلام: يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ .. و قوله تعالى: وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ قالوا: و لا يمكن حمل ذلك على وراثة العلم و الدين، لأنّ ذلك لا يكون وراثة في الحقيقة، بل يكون كسبا جديدا مبتدأ، إنّما التوريث لا يتحقق إلّا في المال على سبيل الحقيقة.
«و ثانيها»: أن المحتاج إلى معرفة هذه المسألة ما كان إلّا فاطمة و علي و العباس، و هؤلاء كانوا من أكابر الزهاد و العلماء و أهل الدين، و أمّا أبو بكر فإنّه ما كان محتاجا إلى معرفة هذه المسألة البتة، لأنّه ما كان يخطر بباله أن يرث من الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فكيف يليق بالرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يبلغ هذه المسألة إلى من لا حاجة به إليها؟ و لا يبلغها إلى من له إلى معرفتها أشدّ الحاجة؟! «و ثالثها»: يحتمل أن قوله: «ما تركناه صدقة» صلة «لا نورث» و التقدير (الذي تركناه صدقة) فذلك الشيء (لا يورّث).