الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٢ - الهداية بيد اللّه وحده!
أرضنا، و لا طاقة لنا على ردّهم [١].
هذا الكلام لا يقوله إلّا من يستضعف قدرة اللّه و يرى أن قدرة حفنة من العرب الجاهليين عظيمة!! و هذا الكلام لا يصدر إلّا من قلب لا يعرف عناية اللّه و حمايته، و لا يعرف كيف ينصر اللّه أولياءه و يخذل أعداءه، لذلك يقول القرآن ردّا على مثل هذه المزاعم أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ [٢] ... وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ.
اللّه الذي جعل هذه الأرض المالحة و المليئة بالصخور و الخالية من الأشجار و الأنهار، جعلها حرما تهفوا إليه القلوب، و يؤتى إليه بالثمرات من مختلف نقاط العالم، كل ذلك بيد قدرته القاهرة.
فإنّ من له هذه القدرة على اقرار «الأمن» و جبابة «النعم» إلى هذا المكان و هؤلاء يرون ذلك بأعينهم، كيف لا يكون قادرا على أن يحفظكم من هجوم حفنة من الجاهليين عبّاد الأوثان؟! فقد كنتم في زمان الكفر مشمولين بنعمتي اللّه العظيمتين «الأمن و المواهب المعاشية» فكيف يمكن أن يحرمكم اللّه منهما بعد الإسلام؟! لتكن قلوبكم قوية و آمنوا بما انزل إليكم فإنّ ربّ الكعبة و ربّ مكّة معكم.
هنا، ينقدح هذا السؤال، و هو: إن التأريخ يدل على أن حرم مكّة لم يكن آمنا للمسلمين للغاية، أ لم تعذب طائفة من المسلمين في مكّة؟ أ لم يرموا النّبي صلّى اللّه عليه و آله بالأحجار الكثيرة؟! أ لم يقتل بعض المسلمين في مكّة؟! أ لم يهاجر جماعة من المسلمين من مكّة مع جعفر بن أبي طالب رضى اللّه عنه و جماعة آخرون مع النّبي صلّى اللّه عليه و آله آخر الأمر لعدم الأمن في مكّة؟!
[١]- مجمع البيان- ذيل الآية محل البحث ...
[٢]- «يجبى» مشتق من مادة «جباية» [ «و نمكن» في الآية بمعنى نجعل] و الجبابة معناها الجمع، لذلك يطلق على الحوض الذي يجمع فيه الماء جابية ... و نصب كلمة «حرم» على أنّها مفعول لنمكن.