الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٧ - الإقرار بالتوحيد في الباطن و الشرك في الظاهر
جميع النعم، إذ لمّا كان الماء الذي هو مصدر الحياة لجميع الحيوانات من رزق اللّه فيكون واضحا أن الأرزاق جميعها صادرة من قبله أيضا.
قل الحمد للّه «و اشكره»، لأنّهم يعترفون بهذه الحقائق.
و قل الحمد للّه، فمنطقنا قوي متين حيّ إلى درجة لا يستطيع أي أحد إبطاله أو تفنيده. و حيث أنّ أقوال المشركين من جهة، و أعمالهم و أفعالهم و كلماتهم من جهة أخرى، يناقض بعضها بعضا، فإنّ الآية تختتم بإضافة الجملة التالية بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ.
و إلّا فكيف يمكن للإنسان العاقل أن يتناقض في كلماته، فتارة يرى أن الخالق و الرازق و المدبّر للعالم هو اللّه، و تارة يسجد للأوثان التي لا تأثير لها بالنسبة لعواقب الناس!. فمن جهة يعتقدون بتوحيد الخالق و الرب، و من جهة أخرى يظهرون الشرك في العبادة.
و من الطريف أنّ الآية لا تقول: «أكثرهم لا عقل لهم» بل تقول: لا يَعْقِلُونَ و معناها أنّهم لديهم العقول، إلّا أنّهم لا يستوعبون و لا يتعقلون! و من أجل أن يحوّل القرآن أفكارهم من أفق هذه الحياة المحدودة إلى عالم أوسع من خلال منظار العقل، فإنّه يبيّن في الآية التالية كيفية الحياة الدنيا قياسا إلى الحياة الأخرى الخالدة، في عبارة موجزة و مليئة بالمعاني، فيقول: وَ ما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَ لَعِبٌ وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.
كم هو تعبير بليغ و بديع! لأنّ «اللهو» معناه الانشغال .. أو كل عمل يصرف الإنسان إليه و يشغله عن مسائل الحياة الأساسية.
أمّا «اللعب» فيطلق على الأعمال التي فيها نوع من النظم الخيالي، و الهدف الخيالي أيضا، ففي اللعب يكون أحد اللاعبين ملكا، و الآخر وزيرا، و الثّالث قائدا للجيش، و الرابع- السارق أو «الحرامي»، و الخامس يمثل القافلة و هكذا، و بعد انتهاء اللعب المؤقت يعود كل شيء إلى مكانته، و كأن المسألة لا تعدوا