الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٥ - الإقرار بالتوحيد في الباطن و الشرك في الظاهر
أمّا في هذه الآيات، فالحديث موجه للنّبي صلّى اللّه عليه و آله، و في الواقع لجميع المؤمنين، و هو يبيّن دلائل التوحيد عن طرق «الخلقة»، و «الربوبيّة»، و «الفطرة»، أي عن ثلاث طرائق متفاوتة، و يريهم أن مصيرهم و عاقبة أمرهم بيد اللّه الذي يجدون آثاره في الآفاق و في أنفسهم، لا بأيدي الأصنام و الأوثان التي لا تضر و لا تنفع.
فتبدأ الآية الأولى من هذه الآيات محل البحث- مشيرة إلى خلق السماوات و الأرض و تستعين باعتقاداتهم الباطنية ... فتقول: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ! لأنّ من المسلم به أنّه لا عبدة الأصنام و لا غيرهم و لا أي أحد آخر يقول: إنّ خالق السماوات و الأرض و مسخر الشمس و القمر حفنة من الأحجار و الخشب المصنوعة بيد الإنسان.
و بتعبير آخر: لا يشك في «توحيد الخالق» حتى عبدة الأصنام حيث كانوا مشركين في عبادة الخالق، و كانوا يقولون: إنّما نعبد أوثانا ليقربونا إلى اللّه زلفى، فهم الوسطاء بيننا و بين اللّه، كما نقرأ في الآية (١٨) من سورة يونس وَ يَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ .. فنحن غير جديرين أن نرتبط باللّه مباشرة، بل ينبغي أن نرتبط به عن طريق الأصنام ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى. [١] و هم غافلون عن أنّه لا تفصل بين الخالق و المخلوق أية فاصلة، و هو أقرب إلينا من حبل الوريد، زد على ذلك: إذا كان الإنسان- الذي هو بمثابة الدرّة اليتيمة في تاج الموجودات- لا يستطيع أن يرتبط باللّه مباشرة، فأي شيء يكون واسطة الإنسان إلى اللّه؟! و على كلّ حال، فإنّ الآية بعد ذكر هذا الدليل الواضح تتساءل: فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ أي مع هذا المال كيف يعرضون عن عبادة خالقهم و يستبدلونها بعبادة مجموعة من الأحجار و الأخشاب؟!
[١]- الزمر، الآية ٣.