الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩٤ - آيات اللّه في الآفاق و في الأنفس
لم تخلق خصوصية التناسل في آدم، لانطوى نسله من الوجود بسرعة!.
ترى أين التراب و أين الإنسان بهذا الهندام و الرشاقة؟! فلو وضعنا خلايا و أستار العين التي هي أدق من ورق الزهور و ألطف و أكثر حساسية، و كذلك الخلايا الدقيقة للدماغ و المخ إلى جانب التراب و قارناهما بالقياس إلى بعضهما البعض، نعرف حينئذ كم لخالق العالم من قدرة عجيبة، بحيث أوجد من مادة كدرة سوداء لا قيمة لها هذه الأجهزة الظريفة و الدقيقة القيّمة.
فالتراب ليس فيه نور، و لا حرارة، و لا جمال، و لا طراوة، و لا حس، و لا حركة و مع ذلك فقد أضحى عجينة الإنسان و لها جميع هذه الصفات، فالذي أوجد من هذا الموجود الميت التافه موجودا حيّا عجيبا، لحقيق بكل حمد و ثناء على هذه القدرة الباهرة و العلم المطلق فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ.
و الآية محل البحث تبيّن ضمنا هذه الحقيقة، و هي أنّه لا تفاوت بين بني الإنسان، و يعود جذرهم إلى شيء واحد، و أصل واحدة و هو التراب و بالطبع فنهايتهم إلى ذلك التراب أيضا.
و ممّا ينبغي الالتفات إليه، أن كلمة «إذا» تستعمل في لغة العرب في الموارد الفجائية و لعل هذا التعبير هنا إشارة إلى أنّ اللّه له القدرة البالغة على أن يخلق مثل آدم أعدادا هائلة بحيث ينتشر نسلها في فترة قصيرة- فجأة- و يملأ سطح الأرض .. و يكون مجتمعا إنسانيّا كاملا.
و الآية الثّانية من الآيات محل البحث تتحدث أيضا عن قسم آخر من الآيات في الأنفس، التي تمثل مرحلة ما بعد خلق الإنسان، فتقول: وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها. أي من جنسكم و الغاية هي السكينة الروحية و الهدوء النفسي و حيث أن استمرار العلاقة بين الزوجين خاصة، و بين جميع الناس عامة،