الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥١ - الشدائد و اشراق القطرة
ملاحظة
الشدائد و اشراق القطرة:
سنتحدث بإذن اللّه في ذيل الآية الثلاثين من سورة الروم حول «فطريّة» أصل التوحيد و معرفة اللّه بشكل مفصّل، و ما يلزم ذكره هنا هو أنّ القرآن المجيد يتحدث في آيات كثيرة عن المشاكل و الصعاب على أنّها باعثة على ظهور الفطرة الإنسانية و بروزها «فالمشاكل و الصعاب وسيلة لاشراق الفطرة».
يقول القرآن في بعض آياته: وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ. [١] و يأتي هذا المعنى في سورة يونس، و لكن بأسلوب آخر، إذ يقول القرآن إِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ [٢] كما ورد هذا المعنى في سورة الروم الآية (٣٢) و سورة الزمر الآية (٤٩) و سورة الإسراء الآيات (٦٧)- (٦٩) بعبارات أخرى و إشارات مليئة بالمعاني.
و في الآيات- محل البحث- قرأنا أيضا أن المشركين في الحالات العادية يتجهون إلى الأصنام، و لكن إذا سافروا في البحر و أحاطت بهم الأمواج و الطوفان، و أضحت سفينتهم كالقشة في وسط الأمواج المتلاطمة تتقاذفها هنا و هنا، و انقطعت بهم السبل تتنور قلوبهم بنور التوحيد و يلقون جانبا جميع المعبودات المصنوعة، و يخلصون قلوبهم كاملا- لكن خلوصا إجباريا لا قيمة له- فما أن يهدأ الطوفان و تتلاشى الأمواج و تعود الحالة الاعتيادية، حتى تنزل الأسدال على الفطرة و تظهر أشواك الشرك و الوثنية على هذه «الوردة».
[١]- النحل، الآيتان ٥٣- ٥٤»
[٢]- يونس، الآية ١٢.