الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٢٣ - ١- التوحيد باعث داخلي قوي
تترك أثرها في العقل و التفكير و تدفعه إلى انتخاب الطريق! و عادة يطلق على النوع الأوّل من هذه الدوافع «الغريزة» و على النوع الثّاني «الفطرة» (فلاحظوا بدقّة).
عبادة اللّه و الاتجاه نحوه لهما مكانه في نفوس جميع الناس، و هو ما يصطلح عليه ب «الفطرة».
و يمكن أن يعدّ بعض الناس هذا الكلام ادعاء محضا، يدّعيه المؤمنون، إلّا أن لدينا دلائل و شواهد مختلفة توضح بجلاء كون «الميل إلى اللّه» فطريا، بل تؤكّد هذا الميل في جميع اصول الدين و أبعاده:
١- إنّ دوام الإعتقاد الديني و الإيمان باللّه على امتداد التاريخ البشري بنفسه دليل على الفطرة! لأنّه إذا كان ذلك على سبيل العادة، لما كانت له جنبة عمومية و لا جنبة دائمية، فهذا العموم و هذا الدوام دليل على فطرية الحالة.
يقول المؤرخون الكبار: لم ير في المجتمعات الإنسانية في أعماق التاريخ البشري، و في عصر ما قبل التاريخ أن أقواما بشرية عاشت بلا دين إلّا بشكل استثنائي.
و يقول «ويل دورانت» المؤرخ المعاصر:
«إذا عرّفنا الدين على أنّه عبادة القوى التي هي أسمى من الطبيعة، فينبغي أن نأخذ بنظر الإعتبار هذه المسألة الدقيقة، و هي أن بعض الأمم البدائية لم يكن لها أي دين ظاهرا» ثمّ يضيف بعد ذكر أمثلة لهذا الموضوع: فما ذكر من الأمثلة هو في عداد الحالات النادرة، و الرأي القائل: التدين يشمل عموم أفراد البشر، يوافق الحقيقة»! ثمّ يضيف قائلا: «تعدّ هذه القضية في نظر الفيلسوف واحدة من القضايا الأساسية في التاريخ و الدراسات النفسيّة، فهو لا يقنع بهذه المسألة: إنّ جميع الأديان محشوّة بالباطل و اللغو و الخرافات، بل هو ملتفت إلى هذه المسألة، و هي