الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٥٨ - انظر إلى آثار رحمة اللّه
و هي كذلك تؤدي وظيفة أخرى، فقد أرسلها اللّه لواقح تنقل معها لقاح الأزهار الذكور للإناث.
و الرياح تحرك الطواحين الهوائية و تصفي البيادر.
و الرياح تنقل البذور من المناطق التي قد تجمعت فيها و تنثرها و تبسطها على الصحراء، كأنّها فلاح مشفق، فتغدو خضراء ممرعة بعد أن كانت يبابا.
و الرياح تنقل السفن مع مسافريها و أثقالهم إلى نقاط مختلفة.
و حتى في هذا العصر الذي حلت الوسائل الحديثة «الماكنات» مكان الرياح، فما تزال الرياح ذات أثر بالنسبة للسفن في اتجاهاتها المخالفة لها أو الموافقة لها ... سرعة و بطأ! أجل، أنّ الرياح مبشرات من جهات شتى.
و لذلك فنحن نقرأ في تعقيب الآية قوله تعالى: وَ لِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
أجل، إنّ الرياح هي وسيلة لتكاثر النعم العديدة في مجال الزراعة و التدجين، و هي وسيلة للحمل و النقل أيضا، و أخيرا فهي سبب للازدهار التجاري.
و قد أشير إلى الموضوع الأوّل بجملة وَ لِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ و إلى الثّاني بجملة وَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ و للثالث بجملة وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ! و الطريف هنا أن جميع هذه البركات منشؤها الحركة، الحركة في ذرات الهواء في الفضاء الجوي لكن لا يعرف قدر أية نعمة حتى تسلب عن الإنسان! فيعرفها حينذاك. فما لم تتوقف هذه الرياح و النسائم، فلا يعرف الإنسان ما ذا يحلّ به من بلاء؟! فتوقف الهواء يجعل الحياة في أفضل الحقول كالحياة في أشد المطامير و السجون ظلمة! و على العكس فلو أن نسيما عليلا هب في خلايا السجون