الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٩ - عاقبة المسيئين
العقل و الوجدان يخلق السماوات و الأرض.
و التعبير بِالْحَقِ له معنيان: الأوّل: أنّ الخلق كان توأما مع الحق و القانون و النظم، و الآخر: أن الهدف من الخلق كان بالحق، و لا منافاة بين هذين التّفسيرين طبعا [١].
و التعبير بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كما قلنا مرارا، هو إشارة إلى يوم القيامة و النشور، حيث تنكشف الحجب، و الإنسان يعرف عظمة اللّه بالشهود الباطنيّين.
و حيث أنّ التعبير ب أَجَلٍ مُسَمًّى كاشف عن أن هذه الحياة على كل حال لا تدوم، و هذا إنذار لجميع عبدة الدنيا، فإنّ القرآن يضيف في الآية التالية قائلا:
أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَ أَثارُوا الْأَرْضَ وَ عَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ أي بالدلائل الواضحات ... إلّا أنّهم أهملوا ذلك، و لووا رؤوسهم، و لم يستسلموا للحق، فابتلوا بعقاب اللّه الأليم! وَ ما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
في الواقع إنّ القرآن يشير إلى أمم كانت لهم- في نظر مشركي مكّة- عظمة ملحوظة من حيث القدرة و القوّة الجسمية و الثروة المالية، و كان مصيرهم الأليم يمثل درسا من العبرة لهؤلاء المشركين.
و يمكن أن تكون جملة أَثارُوا الْأَرْضَ إشارة إلى حرث الأرض للزراعة و التشجير، أو حفر الأنهار، أو تأسيس العمارات على الأرض، أو جميع هذه الأمور، لأنّ جملة أَثارُوا الْأَرْضَ لها مفهوم واسع يشمل جميع هذه الأمور التي هي مقدمة للعمارة و البناء [٢].
[١]- في صورة ما لو قلنا بالتّفسير الأوّل، فإن «الباء» في كلمة «بالحق» للمصاحبة، و في التّفسير الثّاني تكون الباء بمعنى اللام، أي للحق.
[٢]- «آثار» مأخوذة من مادة (ثور) على زنة (غور) و معناها التفريق و النثر، و إنّما سمي الثور ثورا لأنّه يثير الأرض و يفرّقها.