الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٠ - لا تخدعنكم علائق الدنيا
ماديّا، و لكن لا تنسوا أن تعتبروا بحياة من قبلكم ف كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها.
أجل، إنّ الغرور دعاهم إلى أن يبطروا من النعم، و البطر أساس الظلم، و الظلم يجرّ حياتهم إلى النّار ... فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا.
بلى ... بقيت بيوتهم خالية خربة متهدمة مظلمة لم يزرها و لم يسكنها أحد إلّا لفترة قليلة وَ كُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ.
فيا مشركي مكّة ... أ تريدون أن تعيشوا حياة البطر و الكفر كما عاشه أولئك، و تكون عاقبتكم كعاقبتهم، فأي نفع في ذلك؟! كلمة «بطرت» مشتقّة من «بطر» على زنة «بشر» و معناه الطغيان و الغرور على أثر وفرة النعم.
و التعبير ب «تلك» التي هي اسم إشارة للبعيد، و تستعمل غالبا للأمور التي يمكن مشاهدتها، و يحتمل أن يكون المقصود بها أرض «عاد و ثمود و قوم لوط» التي لا تبعد كثيرا عن أهل مكّة، و هي في أرض الأحقاف بين اليمن و الشام، أو في وادي القرى، أو في أرض سدوم، و جميع هذه المناطق في مسير قوافل التجار العرب الذين كانوا يمضون من مكّة إلى الشام، و كانوا يرون تلك البيوت بأم أعينهم خالية خاوية لم تسكن إلّا قليلا.
و جملة إِلَّا قَلِيلًا التي جاءت بصيغة الاستثناء، فيها ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأوّل: أن الاستثناء عن الساكنين.
و الاحتمال الثّاني: أنّه عن المساكن.
و الاحتمال الثّالث: أنّه عن السكن.
ففي الصورة الأولى يكون مفهومها أن جماعة قليلة سكنتها «أي سكنت تلك المساكن».
و في الصورة الثّانية يكون مفهومها أن فترة قليلة كان بها السكن في هذه