الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٤ - آيات عظمته- مرّة أخرى
و يؤكّد القرآن في نهاية هذه الآية مضيفا: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ و يفهمون أن وراء هذه الخطة المدروسة يدا قادرة تقودها و تهديها، و لا يمكن أن تكون المسألة وليدة الصدفة و الضرورة العمياء الصّماء أبدا.
و في آخر آية من الآيات محل البحث، يقع الكلام عن آية أخرى من الآيات الآفاقية، و ذلك عن تدبير نظام السماء و الأرض و بقائهما و دوامهما، إذ تقول:
وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ بِأَمْرِهِ.
أي إنّ خلق السماوات- المشار إليه في الآيات السابقة- ليس آية وحدة فحسب، بل بقاؤها و دوام نظامها أيضا آية أخرى، فهذه الأجرام العظيمة في دورانها المنظّم حول نفسها تحتاج إلى أمور كثيرة، و أهمّها المحاسبة المعقدة للقوّة الجاذبة و الدافعة! إنّ الخالق الكبير جعل هذا التعادل دقيقا، بحيث لا يعترض الأجرام أدنى انحراف في مسيرها و دورانها حول نفسها إلى ملايين السنين.
و بتعبير آخر: إنّ الآية السابقة كانت إشارة إلى «توحيد الخلق» و أمّا هذه الآية فهي إشارة إلى «توحيد الربوبية و التدبير».
و التعبير بقيام السماء و الأرض، تعبير لطيف مأخوذ من حالات الإنسان، لأنّ أحسن حالات الإنسان لأجل استدامة نشاطه هي حالة قيامه، إذ يستطيع فيها أداء جميع حوائجه، و تكون له السيطرة و التسلط الكامل على أطرافه.
و التعبير ب «أمره» هنا إشارة إلى منتهى قدرة اللّه، إذ يكفي أمر واحد من قبله لاستمرار الحياة، و نظم هذا العالم الوسيع.
و في نهاية الآية و بالاستفادة من عامل التوحيد لإثبات المعاد، ينقل القرآن البحث إلى هذه المسألة فيقول: ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ.
و لقد رأينا- مرارا- في آيات القرآن أن اللّه سبحانه يستدل على المعاد