الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٩ - عودة موسى إلى حضن أمّه
«الفارغ» معناه الخالي، و المقصود به هنا أن قلب أم موسى أصبح خاليا من كل شيء إلّا من ذكر موسى .. و إن كان بعض المفسّرين يرون أن المقصود به هو خلوّ القلب من الهمّ و الغمّ، أو أنّه خال من الإلهام و البشائر التي بشرت بها أم موسى من قبل، و لكن مع الالتفات لهذه الجمل و التدقيق فيها يبدوا هذا التّفسير غير صحيح.
و طبيعيّ تماما أنّ أمّا تفارق ولدها بهذه الصورة يمكن أن تنسى كل شيء إلّا ولدها الرضيع، و يبلغ بها الذهول درجة لا تلتفت معها إلى ما سيصيبها و ولدها من الخطر لو صرخت من أعماقها و أذاعت أسرارها.
و لكن اللّه الذي حمّل أم موسى هذا العبء الثقيل ربط على قلبها لتؤمن بوعد اللّه، و لتعلم أنّه بعين اللّه، و أنّه سيعود إليها و سيكون نبيّا.
كلمة «ربطنا» من مادة «ربط» و معناها في الأصل شدّ وثاق الحيوان أو ما أشبهه بمكان ما ليكون محفوظا في مكانه، و لذلك يدعى هذا المحلّ الذي تربط فيه الحيوانات ب «الرباط» ثمّ توسعوا في اللغة فصار معنى الربط: الحفظ و التقوية و الاستحكام، و المقصود من «ربط القلب» هنا تقويته .. أي تثبيت قلب أم موسى، لتؤمن بوعد اللّه و تتحمل هذا الحادث الكبير.
و على أثر لطف اللّه أحست أم موسى بالاطمئنان، و لكنّها أحبت أن تعرف مصير ولدها، و لذلك أمرت أخته أن تتبع أثره و تعرف خبره وَ قالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ.
كلمة «قصّيه» مأخوذة من مادة «قصّ» على زنة «نصّ» و معناها البحث عن آثار الشيء، و إنّما سميّت القصّة قصّة لأنّها تحمل في طياتها أخبارا مختلفة يتبع بعضها بعضا.
فاستجابت «أخت موسى» لأمر أمّها، و أخذت تبحث عنه بشكل لا يثير الشبهة، حتى بصرت به من مكان بعيد، و رأت صندوقه الذي كان في الماء يتلقفه