الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨ - حكومة داود و سليمان عليهما السّلام
عن مطلب ما، فلا دليل على عدم تسميته نطقا، لأنّ النطق كل لفظ مبين للحقيقة و المفهوم [١].
و لا نريد أنّ نقول أنّ ما يظهر من أصوات الحيوانات عند الغضب أو الرضا أو الألم أو إظهار الشوق لأطفالها هو نطق، كلّا فهي أصوات تقترن بحالات الحيوان ... إلّا أنّنا- كما سيأتي في الآيات التالية- سنرى بتفصيل أن سليمان تكلم مع الهدهد في مسائل و حمّله رسالة ... و طلب منه أن يتحرّى جوابها.
و هذا الأمر يدلّ على أن الحيوانات بالإضافة إلى أصواتها الكاشفة عن حالاتها الخاصة ... لها القدرة على النطق في ظروف خاصة بأمر اللّه، كما سيأتي الكلام في شأن تكلم النمل في الآيات المقبلة إن شاء اللّه.
و بالطبع فإن النطق استعمل في القرآن بمعناه الوسيع، حيث يبيّن حقيقة النطق و نتيجته، و هو بيان ما في الضمير، سواء كان ذلك عن طريق الألفاظ أو عن طريق الحالات الأخر، كما في قوله تعالى: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِ [٢] إلّا أنّه لا حاجة إلى تفسير كلام سليمان و منطق الطير بهذا المعنى ... بل طبقا لظاهر الآيات فإن سليمان كان بإمكانه أن يعرف ألفاظ الطير الخاصة الدالة على مسائل معيّنة فيشخّصها، أو أنّه كان يتكلم معها فعلا ..
و سنتكلم في هذا الشأن في البحوث إن شاء اللّه تعالى.
أمّا جملة أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فهي على خلاف ما حدده جماعة من المفسّرين، لها مفهوم واسع شامل .. فهي تشمل جميع الأسباب اللازمة لإقامة حكومة اللّه في ذلك الحين .. و أساسا فإن الكلام سيقع ناقصا بدونها، و لا يكون له
[١]- يقول ابن منظور في لسان العرب: «النطق» هو التكلم، ثمّ يضيف «و كلام كل شيء منطقه. و منه قوله تعالى: عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ ثمّ ينقل عن بعض علماء العرب- و هو ابن سيده- أنّه «خلافا لما قال بعضهم: إن النطق خاص بالإنسان. فقد يستعمل النطق في غير الإنسان». و ينبغي الالتفات إلى أن الفلاسفة و علماء المنطق أطلقوا النطق على القدرة على التفكير الذي يعطي الإنسان التمكن من الكلام ...
[٢]- الجاثية، الآية ٢٩.