الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٢ - لا تخدعنكم علائق الدنيا
و التعبير ب حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا إشارة إلى عدم لزوم إرسال الرسل إلى جميع المدن، بل يكفي أن يبعث في مركز كبير من مراكزها التي تنشر العلوم و الأخبار رسولا يبلغهم رسالاته! لأنّ أهل تلك المناطق في ذهاب و إياب مستمر إلى المركز الرئيسي، لحاجتهم الماسة، و ما أسرع أن ينتشر الخبر الذي يقع في المركز إلى بقية الأنحاء القريبة و البعيدة، كما انتشرت أصداء بعثة النّبي صلّى اللّه عليه و آله التي كانت في مكّة- و بلغت جميع أنحاء الجزيرة العربية في فترة قصيرة! لأنّ مكّة كانت أم القرى، و كانت مركزا روحانيا في الحجاز، كما كانت مركزا تجاريا أيضا .. فانتشرت أخبار النّبي صلّى اللّه عليه و آله، و وصلت جميع المراكز المهمّة في ذلك الحين و في فترة قصيرة جدّا.
فعلى هذا تبيّن الآية حكما كليا و عامّا، و ما يدّعيه بعض المفسّرين من أنّها إشارة إلى «مكّة» لا دليل عليه، و التعبير ب فِي أُمِّها هو تعبير عام كلي أيضا ..
لأنّ كلمة «أم» تعني المركز الأصلي، و لا يختص هذا بمكّة فحسب [١].
و أخر آية من هذا المقطع محل البحث تحمل الردّ الثّالث على أصحاب الحجج الواهية، الذين كانوا يقولون للنّبي صلّى اللّه عليه و آله: إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا و يبعدنا العرب من ديارنا، و هو قوله تعالى: وَ ما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ زِينَتُها وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَ أَبْقى ممّا عندكم من النعيم الفاني .. إذ أنّ نعم الدنيا تشوبها الأكدار و المشاكل المختلفة، و لس من نعمة مادية خالية من الضرر و الخطر أبدا.
إضافة إلى ذلك فإنّ النعم التي عند اللّه «الباقية» لا تقاس مع النعم الدنيوية الزائلة، فنعم اللّه- إذن- خير و أبقى!.
فبموازنة بسيطة يعرف كل إنسان عاقل أنّه لا ينبغي أن يضحي بنعم الآخرة
[١]- في أن الآية هل تشمل المستقلات العقلية أم لا، بحثنا في ذلك بحثا مناسبا في ذيل الآية (١٥) من سورة الإسراء.