الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨ - موسى يقتبس النّور
مَنْ فِي النَّارِ وَ مَنْ حَوْلَها! ... فما المقصود من هذا التعبير؟! و يبدو أنّ المراد من مَنْ فِي النَّارِ هو موسى نفسه، حيث كان قريبا منها و من الشجرة الخضراء التي عندها، فكأنّ موسى كان في النّار نفسها، و أنّ المراد من مَنْ حَوْلَها هم الملائكة المقرّبون من ساحة القدس، الذين كانوا يحيطون بتلك الأرض المقدسة في ذلك الوقت.
أو أنّ المراد- على عكس ما ذكرنا آنفا- فمن في النّار: هم الملائكة المقرّبون، و من حولها هو موسى عليه السّلام.
و على كلّ حال فقد جاء في بعض الرّوايات أنّ موسى عليه السّلام لما وصل النّار و نظر بدقّة، رأى النّار تشتعل من غصن أخضر! و تتسع الشعلة لحظة بعد أخرى، و الشجرة تزداد اخضرارا و جمالا .. فلا حرارة النّار تحرق الشجرة، و لا رطوبة الشجرة تطفئ لهب النّار، فتعجب من هذا المشهد الرائع .... و انحنى ليقتبس من هذه النّار و يشعل الغصن اليابس «الحطب» الذي كان معه، فأتته النّار فارتاع و رجع ... فمرّة يأتي موسى إلى النّار، و مرّة تأتي النّار إلى موسى، و بيّنا هو على هذه الحالة، إذا بالنداء يقرع سمعه مبشرا إيّاه بالوحي.
فالمراد أنّ موسى عليه السّلام اقترب من النّار ألى درجة عبّر عنه بأنّه «في النّار».
و التّفسير الثّالث لهذه الجملة، هو أنّ المراد من (من في النّار) هو نور اللّه الذي تجلّى في تلك الشعلة، و المراد من «من حولها» هو موسى الذي كان قريبا منها. و على كل حال فمن أجل أن لا يتوهم أحد من هذه العبارة مفهوم «التجسيم» فقد ختمت الآية ب سُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ تنزيها له عن كل عيب و نقص و جسميّة و ما يعترض الجسم من عوارض!.
و مرّة أخرى نودي موسى بالقول: يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
و ذلك يزول عن موسى عليه السّلام كل شك و تردّد، و ليعلم أنّ الّذي يكلمه هو ربّ العالمين، لا شعلة النّار و لا الشجرة، الربّ القوي العزيز الذي لا يغلب و لا يقهر،