الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧ - موسى يقتبس النّور
الكافرين.
فأوّل نبيّ تتحدث عنه هذه السورة، هو موسى عليه السّلام أحد الأنبياء «أولي العزم» و تبدأ مباشرة بأهم نقطة من حياته و أكثرها «حسّاسية» و هي لحظة نزول الوحي على قلبه و إشراقه فيه، و تكليم اللّه إيّاه إذ تقول الآية: إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً [١] اي رأيت نارا من بعيد، فامكثوا هنيئة سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ [٢].
في تلك الليلة الظلماء، كان موسى عليه السّلام يسير بزوجته بنت النبيّ شعيب عليه السّلام في طريق مصر- و في الصحراء- فهبت ريح باردة، و كانت زوجته (أهله) مقرّبا، فأحسّت بوجع الطلق، فوجد موسى عليه السّلام نفسه بمسيس الحاجة إلى النّار لتصطلي المرأة بها، لكن لم يكن في الصحراء أيّ شيء، فلمّا لاحت له النّار من بعيد سرّ كثيرا، و علم أنّها دليل على وجود إنسان أو أناس، فقال: سأمضي و آتيكم منها بخبر أو شعلة للتدفئة.
ممّا يلفت النظر أنّ موسى عليه السّلام يقول لأهله سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس «بضمير الجمع لا الإفراد» و لعل هذا التعبير هو أنّ موسى عليه السّلام كان معه بالإضافة إلى زوجته أطفال أيضا ... لأنّه كان قد مضى على زواجه عشر حجج (عشر سنين) في مدين .. أو أنّ الخطاب بصيغة الجمع (آتيكم) يوحي بالاطمئنان في هذه الصحراء الموحشة!.
و هكذا فقد ترك موسى أهله في ذلك المكان و اتّجه نحو «النّار» التي آنسها فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَ مَنْ حَوْلَها وَ سُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
و هناك احتمالات مختلفة عند المفسّرين في المراد من قوله تعالى:
[١]- «آنست» فعل ماض مأخوذ من (الإيناس) و هو الرؤية المقرونة بالراحة النفسية و السكينة و إنما يطلق على الإنسان فهو لهذا المعنى.
[٢]- «الشهاب» هو النور الذي ينبثق من النار كالعمود، و كل نور له عمود يدعى شهابا، و في الأصل يطلق الشهاب على واحد النيازك التي تهوي من السماء بسرعة مذهلة فتحرق بسبب اصطدامها بالغلاف الجوي فيكون لها عمود من نار، «و القبس» شعلة من النار تنفصل عنها. «و تصطلون» من الاصطلاء و هو الدفء (بالنار) ..