الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٠ - أ ليس القرآن كافيا في إعجازه؟!
موارد يكون الإنسان قد أدّى عملا فوق ما ينتظره الطرف الآخر، و هو غافل عنه أو يتغافل عنه، كأن يقول مثلا: لم أحصل على الخدمة الفلانيّة، في حين أن الخدمة التي قدمت إليه- كما في هذه الحال- أكبر خدمة، إلّا أنّه لا يعتبرها شيئا، و نقول له: أو لم يكفك ما قدمناه؟! ثمّ بعد هذا كله ينبغي أن تكون المعجزة منسجمة مع ظروف «الزمان و المكان و كيفية دعوة النّبي» فالنّبي الذي يدعوا إلى مبدأ خالد، ينبغي أن تكون معجزته خالدة أيضا.
و النّبي الذي تستوعب دعوته العالم و تستوعب القرون و الأعصار المقبلة، لا بدّ له من أن يأتي بمعجزة نيّرة «روحية و عقلانية» ليجلب إليه أفكار جميع العلماء و المفكرين، و من المسلّم به أن مثل هذا الهدف يتناسب مع القرآن، لا عصى موسى و لا يده البيضاء.
و في نهاية الآية يضيف القرآن للتأكيد و التوضيح بصورة أجلى، فيقول: إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَ ذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
«ذلك» هنا إشارة إلى الكتاب المنزل من السماء، و هو القرآن.
أجل، إن القرآن رحمة «وسيلة» للذكرى و التذكر أيضا، فهو للمؤمنين الذين فتحوا قلوبهم بوجه الحقيقة، و الذين يبتغون النور و الطريق السويّ هو لهم رحمة إلهية يحسونها بكل وجودهم، و يشعرون بالاطمئنان و الدعة عنده .. و كلّما قرءوا آياته تذكروا، فهي لهم ذكرى و أية ذكرى؟! و لعل الفرق بين «الرحمة» و «الذكرى» أنّ القرآن ليس معجزة و ذكرى فحسب، بل هو إضافة إلى كل ذلك يحتوي على القوانين التي تمنح الرحمة و المناهج التربوية و الإنسانية.
فمثلا كانت عصى موسى معجزة فحسب، إلّا أنّها لم يكن لها أثر في حياة الناس اليومية، غير أن القرآن معجزة، هو في الوقت ذاته منهج كامل الحياة و رحمة أيضا.