الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤١ - لا بدّ من الهجرة
خالِدِينَ فِيها.
و يضيف القرآن معقبا في ختام الآية نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ.
و بموازنة بسيطة بين ما ذكر آنفا في شأن الكفّار و المذنبين في الآيات السابقة، و ما ورد في هذه الآية، تتّضح عظمة ثواب المؤمنين.
فالكفّار غارقون في نار جهنّم من قرنهم إلى قدمهم، و يقال لهم على سبيل التوبيخ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
أمّا المؤمنون فهم مقيمون في نعيم الجنّة و تحيط بهم رحمة اللّه من كلّ جانب، و بدلا من كلمات التوبيخ يكلمون بكلام طيب ملؤه المحبّة و اللطف الإلهي الكريم، أجل يقال لهم: نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ.
و بديهي أنّ المراد بالعاملين هنا مع قرائن الجمل السابقة، هم الذين يعملون الصالحات المقرونة بإيمانهم، و إن كانت كلمة العاملين مطلقة.
و
في حديث عن نبيّ الإسلام العظيم صلّى اللّه عليه و آله يصف الجنّة فيقول: «إنّ في الجنّة لغرفا يرى ظهورها من بطونها و بطونها من ظهورها» فنهض بعض أصحابه فقال:
يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لمن هذه الغرف؟ فقال صلّى اللّه عليه و آله: «هي لمن أطاب الكلام، و أطعم الطعام، و صلى لله بالليل و الناس نيام» [١].
و الآية التالية تصف أهمّ ما يتحلّى به المؤمنون العاملون فتقول: الَّذِينَ صَبَرُوا وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ.
إذ يبتعدون عن الزوجة و الأولاد و الأهل و البيت و الأحباب و الأصدقاء و كل شيء عزيز عليهم، لكنّهم يصبرون برغم الفراق يذوقون مرارة الغربة و التهجير عن أوطانهم و يصبرون، و تتلقى أنفسهم العذاب و الأذى من أعدائهم من أجل حفظ إيمانهم، و يواجهون الصعاب في جهادهم الأكبر «جهادهم مع النفس» و جهادهم أعداءهم بشدّة، و يتحملون أنواع المشاكل فيصبرون!
[١]- تفسير القرطبي ذيل الآيات محل البحث، ج ٧، ص ٥٠٧٥.