الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٦ - موسى يتوجّه إلى مدين خفية
ضده فيشترك معها.
و يبدو أنّه كان له أمل كبير بموسى عليه السّلام إذ كان يتوسم في وجهه رجلا ربّانيا صالحا ثوريّا، و لذلك فحين أحسّ بأن الخطر محدق بموسى أوصل نفسه بسرعة إليه و أنقذه من مخالب الخطر، و سنرى بعدئذ أن هذا الرجل لم يكن في هذا الموقف فحسب سندا و ظهيرا لموسى، بل كان يعدّ عينا لبني إسرائيل في قصر فرعون في كثير من المواقف و الأحداث.
أمّا موسى عليه السّلام فقد تلقى الخبر من هذا الرجل بجدّية و قبل نصحه و وصيته في مغادرة المدينة فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ.
و تضرع إلى اللّه بإخلاص و صفاء قلب ليدفع عنه شرّ القوم و قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.
فأنا أعلم يا ربّ أنّهم ظلمة و لا يرحمون، و قد نهضت- دفاعا عن المحرومين- بوجه الظالمين، و لم آل جهدا و وسعا في ردع الأشرار عن الإضرار بالطيبين، فأسألك- يا ربّي العظيم- أن تدفع عنّي أذاهم و شرّهم.
ثمّ قرر موسى عليه السّلام أن يتوجه إلى مدينة «مدين» التي كانت تقع جنوب الشام و شمال الحجاز، و كانت بعيدة عن سيطرة مصر و الفراعنة .. و لكنه شاب تربّى في نعمة و رفاه و يتجه إلى سفر لم يسبق له في عمره أن يسافر إليه، فلا زاد و لا متاع و لا صديق و لا راحلة و لا دليل، و كان قلقا خائفا على نفسه، فلعل أصحاب فرعون سيدركونه قبل أن يصل إلى هدفه «مدين» و يأسرونه ثمّ يقتلونه .. فلا عجب أن يظل مضطرب البال! أجل، إن على موسى عليه السّلام أن يجتاز مرحلة صعبة جدّا، و أن يتخلص من الفخ الذي ضربه فرعون و جماعته حوله ليصطادوه، ليستقرّ أخيرا إلى جانب المستضعفين و يشاطرهم آلامهم بأحاسيسه و عواطفه، و أن يتهيأ لنهضة إلهية