الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٤ - موسى يتوجّه إلى مدين خفية
أن القاتل من بني إسرائيل، و لعل اسم موسى عليه السّلام كان مذكورا من بين بني إسرائيل المشتبه فيهم.
و بالطبع فإنّ هذا القتل لم يكن قتلا عاديا، بل كان يعد شرارة لانفجار ثورة مقدمة للثورة .. و لا شك أن جهاز الحكومة لا يستطيع تجاوز هذه الحالة ببساطة ليعرّض أرواح الفرعونيين للقتل على أيدي عبيدهم من بني إسرائيل.
لذلك يقول القرآن في بداية هذا المقطع فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ [١].
و هو على حال من الترقب و الحذر، فوجئ في اليوم التالي بالرجل الإسرائيلي الذي آزره موسى بالأمس يتنازع مع قبطي آخر و طلب من موسى أن ينصره فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ [٢].
و لكن موسى تعجب منه و استنكر فعله و قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ إذ تحدث كل يوم نزاعا و مشادة مع الآخرين، و تخلق مشاكل ليس أوانها الآن، إذ نحن نتوقع أن تصيبنا تبعات ما جرى بالأمس، و أنت اليوم في صراع جديد أيضا!! و لكنّه كان على كل حال مظلوما في قبضة الظالمين (و سواء كان مقصرا في المقدمات أم لا) فعلى موسى عليه السّلام أنّ يعينه و ينصره و لا يتركه وحيدا في الميدان، فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما ج صاح ذلك القبطي: قالَ يا مُوسى أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ و يبدو من عملك هذا أنّك لست إنسانا منصفا
[١]- كلمة «يترقب» مأخوذة من «الترقب»، و معناه الانتظار، و موسى هنا في انتظار نتائج هذه الحادثة، و محل الجملة إعرابا- خبر بعد خبر، و إن قيل أنها حال، إلا أن هذا القول ضعيف.
[٢]- كلمة «يستصرخ» مشتقة من مادة «الاستصراخ»، و معناها الإستغاثة، و لكنها في الأصل تعني الصياح أو طلب الصياح من الآخر، و هذا عادة ملازم للإعانة ...