الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٥ - الملوك مفسدون مخرّبون
حيث أن هذه المسألة لم تكن مسألة «ساذجة» بسيطة، و لها أثر كبير في مصير بلد كامل و أمّة كبيرة! ... فينبغي أن لا يكتفي بمخبر واحد، بل ينبغي التحقيق أكثر في هذا المجال: قالَ سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ.
و هذا الكلام يثبت بصورة جيدة أنّه يجب الاهتمام في المسائل المصيرية المهمّة، حتى لو أخبر بها «فردّ» صغير، و أن يعجّل في التحقيقات اللازمة «كما تقتضيه السين» في جملة «سننظر»!.
سليمان عليه السّلام لم يتهم الهدهد فيحكم عليه بالكذب ... و لم يصدّق كلامه دون أيّ دليل ... بل جعله أساسا للتحقيق! و على كل حال، فقد كتب كتابا وجيزا ذا مغزى عميق، و سلّمه إلى الهدهد و قال له: اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ [١].
يستفاد من التعبير فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ أن يلقي الكتاب عند ما تكون ملكة سبأ حاضرة بين قومها، لئلا تعبث به يد النسيان أو الكتمان.، و من هنا يتّضح أن ما ذهب إليه بعض المفسّرين بأن الهدهد ذهب إلى قصر ملكة سبأ و دخل مخدعها و ألقى الكتاب على صدرها أو حنجرتها- لا يقوم عليه دليل- و إن كان متناسبا مع الجملة التي وردت في الآية التالية إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ.
ففتحت ملكة سبأ كتاب سليمان، و اطّلعت على مضمونه، و حيث أنّها كانت من قبل قد سمعت بأخبار سليمان و اسمه، و محتوى الكتاب يدلّ على إقدامه و عزمه الشديد في شأن بلدة «سبأ»، لذلك فكّرت مليّا، و لما كانت في مثل هذه المسائل المهمّة تستشير من حولها، لذلك فقد دعتهم و توجهت إليهم و قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ.
[١]- قال بعض المفسّرين: إن جملة «ثمّ تول عنهم» مؤخرة معنى، و إن تقدمت في العبارة، و أصلها هكذا: فانظر ماذا يرجعون ثمّ تولّ عنهم ... و إنّما قدروا ذلك لأنّ تولّ عنهم معناه العودة و الرجوع، مع أن ظاهر الآية أنّه ألق الكتاب و اعرض عنهم و انظر في مكان مشرف لترى رد فعلهم! ...