الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٦ - الملوك مفسدون مخرّبون
ترى، حقّا أن ملكة سبأ لم تكن رأت «حامل الكتاب»، إلّا أنّها أحست بأصالة الكتاب من القرائن الموجودة فيه؟ و لم تحتمل أن يكون الكتاب مفتعلا و مفترى أبدا ...؟! أم أنّها رأت الرّسول بأم عينيها، و رأت كيفية وصول الكتاب الدهشة التي هي بنفسها دليل على أن المسألة واقعية و مهمّة، و مهما كان الأمر فإنّها عوّلت على الكتاب بكل اطمئنان؟.
و قول الملكة: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ «أي قيم» لعله لمحتواه العميق، أو لأنّه بدئ باسم اللّه أو لأنّه ختم بإمضاء صحيح [١]. أو لأنّ مرسله رجل عظيم، و قد احتمل كل مفسّر وجها منها- أو جميعها- لأنّه لا منافاة بينها جميعا. و قد تجتمع جميعها في هذا المفهوم الجامع!.
صحيح أنّهم (قوم سبأ) كانوا يعبدون الشمس، إلّا أننا نعرف أن كثيرا من عبدة الأصنام كانوا يعتقدون باللّه- أيضا- و يسمونه رب الأرباب و يعظمونه و يحترمونه.
ثمّ إن «ملكة سبأ» تحدثت عن مضمون الكتاب فقالت: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَ أْتُونِي مُسْلِمِينَ [٢].
و من البعيد- كما يبد و- أن يكون سليمان كتب كتابه إلى ملكة سبأ بهذه العبارات «و هذه الألفاظ العربيّة». إذا فالجمل الأنفة يمكن أن تكون منقولة بالمعنى، أو أنّها خلاصة ما كان كتبه سليمان، و قد أدّتها ملكة سبأ بهذه الوجازة و الاقتضاب إلى قومها.
[١]- ورد في الحديث أن كون الكتاب كريما هو بخاتمه «تفسير مجمع البيان و الميزان و القرطبي». و جاء في حديث آخر أن الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أراد أن يكتب رسالة للعجم، فقيل له: إنّهم لا يقبلونها إلّا بالخاتم، فأمر النّبي أن يصنع له خاتم و نقشه «لا اله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه» و ختم الرسالة أو الكتاب بذلك الخاتم «القرطبي ذيل الآيات محل البحث».
[٢]- جملة «ألّا تعلوا علي» يمكن أن تكون بمجموعها بدلا من (كتاب) و بيان لمحتواه. كما يمكن أن تكون (أن) تفسيرية فهي هنا بمعنى (أي)- كما يحتمل أن (أن) تكون متعلقة بمحذوف و تقديره: أوصيكم ألا تعلوا إلخ.