الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١١ - نتيجة حبّ التسلط و الفساد في الأرض
السلطة و المستكبرين، بل هي للمتقين المتواضعين و طلبة الحق، تأتي الآية الثّانية لتبيّن قانونا كليا و هو مزيج بين العدالة و التفضل، و لتذكر ثواب الإحسان فتقول: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها.
و هذه هي مرحلة التفضل، أي أنّ اللّه سبحانه لا يحاسب الناس كما يحاسب الإنسان نظيره بعين ضيّقة، فإذا أراد الإنسان أن يعطي أجر صاحبه فإنّه يسعى أن يعطيه بمقدار عمله، إلّا أنّ اللّه قد يضاعف الحسنة بعشر أمثالها و قد يضاعفها بمئات الأمثال و ربّما بالآلاف، إلّا أن أقلّ ما يتفضل اللّه به على العبد أن يجازيه عشرة أضعاف حسناته، حيث يقول القرآن في الآية (١٦٠) من سورة الأنعام:
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها.
أمّا الحدّ الأكثر من ثواب اللّه و جزائه فلا يعلمه إلّا اللّه، و قد جاءت الإشارة إلى جانب منه- و هو الإنفاق في سبيل اللّه- في الآية ٢٦١ من سورة البقرة ... إذ يقول سبحانه في هذا الصدد ... مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَ اللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ.
و بالطبع فإنّ مضاعفة الأجر و الثواب ليس أمرا اعتباطيا، بل له ارتباط وثيق بنقاء العمل و ميزان الإخلاص و حسن النيّة و صفاء القلب، فهذه هي مرحلة التفضل الإلهي في شأن المحسنين.
ثمّ يعقّب القرآن ليذكر جزاء المسيئين فيقول: وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ.
و هذه هي مرحلة العدل الإلهي، لأنّ المسيء لا يجازى إلّا بقدر إساءته، و لا تضاف على إساءته أية عقوبة!.
الطريف هنا عند ذكر جزاء السيئة أن القرآن يعبر عن الجزاء بالعمل نفسه إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي إن أعمالهم التي هي طبقا لقانون بقاء الموجودات في