الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣ - الواقعية و الإيمان
الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً.
فأية خسارة أعظم من أن يرى الإنسان عمله القبيح حسنا!! و أن يهدر جميع طاقاته من أجله، ظنّا منه بأنّه عمل «إيجابي» مثبت، إلّا أنّه يراه في عاقبة أمره شقاء و ذلة و عذابا.
و أمّا الآية الأخيرة- من الآيات محل البحث- فهي بمثابة إكمال البيانات السابقة في صدد عظمة محتوى القرآن، و مقدمة لقصص الأنبياء التي تبدأ بعدها مباشرة فتقول: وَ إِنَّكَ لَتُلَقَّى [١] الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ.
و بالرغم من أنّ الحكيم و العليم كلاهما إشارة إلى علم اللّه سبحانه، إلّا أن الحكمة تبيّن الجوانب العملية، و العلم يبيّن الجوانب النظرية ... و بتعبير آخر: إن العليم يخبر عن علم اللّه الواسع، و الحكيم يدل على الهدف من إيجاد هذا العالم و إنزال القرآن على قلب النّبي (محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
و مثل هذا القرآن النازل من قبل اللّه ينبغي أن يكن مبينا ... و هدى و بشرى للمؤمنين، و أن تكون قصصه خالية من أي نوع من أنواع الخرافات و التضليل و الأباطيل و التحريف.
الواقعية و الإيمان:
المسألة المهمة في حياة الإنسان هي أن يدرك الواقعيّات بما هي عليه، و أن يكون موقفه منها صريحا ... فلا تمنعه من فهمها و إدراكها تصوراته و أحكامه المسبقة و رغباته الانحرافية و حبّه و بغضه، و لذلك فأنّ أهم تعريف للفلسفة هو:
إدراك الحقائق كما هي!.
[١]- «تلقى» فعل مضارع مبني للمفعول، و هو من باب التفعيل، و الفعل الثلاثي المجرّد من هذه المادة (لقي) و هو يتعدى إلى مفعول واحد. أمّا المزيد فيتعدى إلى مفعولين. و في الآية محل البحث (اللّه) هو الفاعل و ملقي القرآن، و النّبي (مفعول به أول)، و القرآن مفعول ثان، و حيث أنّ الفعل بني للمجهول يقوم المفعول الأوّل مقام الفاعل فرفع، و أمّا المفعول الثّاني فعلى حالة.