الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٢ - الأخبار الغيبيّة هي من عند اللّه وحده
يبدأ هذا المقطع بالآية التالية وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ.
و الكلام في أنّ المقصود من «القرون الأولى» أي الأقوام السابقين .. من هم؟! قال بعض المفسّرين: هو إشارة إلى الكفّار من قوم نوح و عاد و ثمود و أمثالهم .. لأنّه بتقادم الزمان و مضيّه تمحى اثار الأنبياء السابقين، و يلزم من ذلك وجود كتاب سماويّ جديد في أيدي البشر!.
و قال بعض المفسّرين: هو إشارة إلى هلاك قوم فرعون الذين كانوا بقايا الأقوام السابقين، لأنّ اللّه سبحانه آتى موسى كتاب «التّوراة» بعد هلاكهم.
و لكنّه لا مانع من أن يكون المقصود بالقرون الأولى في الآية شاملا لجميع الأقوام.
و «البصائر» جمع «بصيرة» و معناها الرؤية، و المقصود بها هنا الآيات و الدلائل التي تستوجب إنارة قلوب المؤمنين .. و «الهدى» و «الرحمة» أيضا من لوازم البصيرة .. و على أثرها تتيقظ القلوب [١].
ثمّ يبيّن القرآن الكريم هذه الحقيقة، و هي أنّ ما ذكرناه لك «يا رسول اللّه، في شأن موسى و فرعون و ما جرى بينهما بدقائقه، هو في نفسه دليل على حقانيّة القرآن، لأنّك لم تكن «حاضرا» في هذه «الميادين» التي كان يواجه موسى فيها فرعون و قومه! و لم تشهدها بعينيك .. بل هو من الطاف اللّه عليك، إذ أنزل عليك هذه الآيات لهداية الناس .. يقول القرآن: وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ أي الأمر بالنبوّة وَ ما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ.
الذي يجلب الانتباه و يستلفت النظر هنا أنّ موسى عليه السّلام حين سار من مدين إلى مصر مرّ في طريق سيناء، و كان بهذا الاتجاه يسير من الشرق نحو الغرب.
[١]- «البصائر» جمع «بصيرة» و أمّا «البصر» فجمعه «أبصار».