الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٢ - عودة موسى إلى حضن أمّه
و قال بعضهم: هذا التحريم التكويني لأنّ اللّه لم يرد لموسى أن يرتضع من الألبان الملوثة بالحرام .. الملوّثة بأموال السرقة، أو الملوّثة بالإجرام و الرشوة و غصب حقوق الآخرين، و إنّما أراد لموسى أن يرتضع من لبن طاهر كلبن أمّه ليستطيع أن ينهض بوجه الأرجاس و يحارب الآثمين.
و تم كل شيء بأمر اللّه فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَ لا تَحْزَنَ وَ لِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [١].
هنا ينقدح سؤال مهم و هو: هل أودع آل فرعون الطفل «موسى» عند أمّه لترضعه و تأتي به كل حين- أو كل يوم- إلى قصر فرعون لتراه امرأة فرعون؟! أم أنّهم أودعوا موسى في القصر و طلبوا من المرضع «أم موسى» أن تأتي بين فترات متناسبة إلى القصر لترضعه؟! لا يوجد دليل قوي لأيّ من الاحتمالين، إلّا أن الاحتمال الأوّل أقرب للنظر كما يبدو! و هناك سؤال آخر أيضا، و هو: هل انتقل موسى إلى قصر فرعون بعد إكماله فترة الرضاعة، أم أنّه حافظ على علاقته بأمّه و عائلته و كان يتردد ما بين القصر و بيته؟! قال بعضهم: أودع موسى بعد فترة الرضاعة عند فرعون و امرأته، و تربى موسى عندهما، تنقل في هذا الصدد قصص عريضة حول موسى و فرعون، و لكن هذه العبارة التي قالها فرعون لموسى عليه السّلام بعد بعثته أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَ لَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ؟! [٢]، تدل بوضوح على أن موسى عاش في قصر فرعون مدة، بل مكث هناك سنين طويلة.
و يستفاد من تفسير علي بن إبراهيم أن موسى عليه السّلام بقي مع كمال الاحترام في
[١]- تحدثنا عن الجذر اللغوي لمادة «تقرّ عينها» في ذيل الآية [٧٤] من سورة الفرقان- فيراجع هناك.
[٢]- الشعراء، الآية ١٨.