الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩١ - عودة موسى إلى حضن أمّه
ألبانهن، إذ يبدو لبن كلّ منهن مرّا في فمه، فكأنّه يريد أن يقفز من أحضان المراضع، و هذا هو التحريم التكويني من قبل اللّه تعالى إذ حرّم عليه المراضع جميعا.
و لم يزل الطفل لحظة بعد أخرى يجوع أكثر فأكثر و هو يبكي و عمال فرعون يدورون به بحثا عن مرضع بعد أن ملأ قصر فرعون بكاء و ضجيجا، و ما زال العمال في مثل هذه الحال حتى صادفوا بنتا أظهرت نفسها بأنّها لا تعرف الطفل، فقالت: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَ هُمْ لَهُ ناصِحُونَ.
إنّني أعرف امرأة من بني إسرائيل لها ثديان مملوءان لبنا، و قلب طافح بالمحبّة، و قد فقدت وليدها، و هي مستعدة أن تتعهد الطفل الذي عندكم برعايتها.
فسّر بها هؤلاء و جاءوا بأمّ موسى إلى قصر فرعون، فلمّا شمّ الطفل رائحة أمّه التقم ثديها بشغف كبير، و أشرقت عيناه سرورا، كما أن عمّال القصر سرّوا كذلك لأنّ البحث عن مربية له أعياهم، و امرأة فرعون هي الأخرى لم تكتم سرورها للحصول على هذه المرضع أيضا.
و لعلهم قالوا للمرضع: أين كنت حتى الآن، إذ نحن نبحث عن مثلك منذ مدّة .. فليتك جئت قبل الآن، فمرحبا بك و بلبنك الذي حلّ هذه المشكلة.
تقول بعض الرّوايات: حين استقبل موسى ثدي أمّه، قال هامان وزير فرعون لأم موسى: لعلك أمّه الحقيقية، إذ كيف أبى جميع هذه المراضع و رضي بك، فقالت: أيّها الملك، لأنّي امرأة ذات عطر طيب و لبني عذب، لم يأتي طفل رضيع إلّا قبل بي، فصدّقها الحاضرون و قدموا لها هدايا ثمينة [١].
و نقرأ في هذا الصدد
حديثا قال الراوي: فقلت للإمام الباقر عليه السّلام؛ فكم مكث موسى غائبا من أمّه حتى ردّه اللّه؟ قال «ثلاثة أيّام» [٢].
[١]- تفسير الفخر الرازي، ج ٢٤، ص ٢٣١.
[٢]- تفسير نور الثقلين، ج ٤، ص ١١٦.