الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٠ - نور الايمان في قلب الملكة
إلّا أنّ سليمان عليه السّلام التفت إليها و قال: إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ [١].
فلا حاجة الى الكشف عن ساقيك فلا يمس الماء قدميك.
و هنا ينقدح سؤال هام، و هو أن سليمان نبيّ كبير، فلم كان لديه هذا البناء الفائق و التزيّن الرائق ... و الصرح الممرد و البساط الممهّد! .. و صحيح أنّه كان حاكما مبسوط اليد، إلّا أن الأنسب أن يكون له بساط مألوف كسائر الأنبياء.
إلّا أنّه، ما يمنع أن يري سليمان ملكة سبأ التي كانت ترى قدرتها و عظمتها بالعرش و التاج و القصر العظيم و الزينة .. يريها هذا المشهد لتذعن لأمره، و لتحتقر ما عندها؟! و هذه نقطة انعطاف في حياتها لتعيد النظر في ميزان القيم و معيار الشخصية! ما يمنعه- بدلا من أن يغير جيشا لجبا فيسفك الدماء- أن يجعل فكر ملكة سبأ حائرا مبهوتا بحيث لم تكن تتوقع ذلك أصلا ... خاصة أنّها كانت امرأة تهتم بهذه الأمور و التشريفات! و لا سيما أنّ أغلب المفسّرين صرحوا بأن سليمان أمر أن يبنى مثل هذا الصرح و القصر قبل أن تصل ملكة سبأ إلى الشام، و كان هدفه أن يريها قدرته لتذعن لأمره و تسلم له ... و هذا الأمر يدلّ على أن سليمان عليه السّلام كان يتمتع في سلطانه بقدرة عظيمة من حيث القوّة الظاهرية وفق بها للقيام بمثل هذا العمل!.
و بتعبير آخر: إنّ هذه النفقات المالية إزاء أمن منطقة واسعة، و قبول دين الحق، و الوقاية عن الإنفاق المفرط للحرب- لم تكن أمرا مسرفا.
و لذلك حين رأت ملكة سبأ هذا المشهد الرائع قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَ أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
(لجة) على وزن (ضجة)، أمّا الأمواج المتلاطمة في البحر فتسمى (لجة) على وزن (جبة) و هي هنا في الآية بهذا المعنى الأخير.
[١]- «الممرد» معناه الصافي ... و (القوارير) جمع قارورة و هي الزجاجة.