الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٢ - الآيسون من رحمة اللّه
يشمل العذاب و الرحمة في الدارين.
كما يتّضح أنّ المراد بقول: مَنْ يَشاءُ هو المشيئة الإلهية المقرونة بحكمته، أي كل من كان جديرا و مستحقا لذلك .. فإن مشيئة اللّه ليست عبثا، بل منسجمة مع الاستحقاق و الجدارة!.
و جملة «تنقلبون» من مادة «القلب» و معناها في الأصل: تغيير الشيء من صورة إلى صورة أخرى، و حيث أن الإنسان في يوم القيامة يعود إلى هيئة الموجود الحي الكامل بعد أن كان ترابا لا روح فيه، فقد ورد هذا التعبير في إيجاده ثانية أيضا.
و يمكن أن يكون هذا التعبير إشارة إلى هذه اللطيفة الدقيقة- أيضا- و هي أن الإنسان يتبدل في الدار الأخرى و يتغيّر تغيرا ينكشف باطنه به و تتجلى أسراره الخفية، و بهذا فهي تنسجم مع الآية (٩) من سورة الطارق يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ.
و إكمالا لهذا البحث الذي يبيّن أن الرحمة و العذاب هما بيد اللّه و المعاد إليه، يضيف القرآن: إذا كنتم تتصورون أنّكم تستطيعون أن تهربوا من سلطان اللّه و حكومته و لا يمسّكم عذابه، فأنتم في خطأ كبير ... فليس الأمر كذلك! وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ [١].
و إذا كنتم تتصورون أنّكم تجدون من يدافع عنكم و ينصركم هناك، فهذا خطأ محض أيضا وَ ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ.
و في الحقيقة، فإنّ الفرار من قبضة اللّه و عذابه، إمّا بأن تخرجوا من حكومته، و إمّا بأن تعتمدوا مع بقائكم في حكومته على قدرة الآخرين لتدافعوا عن أنفسكم، فلا الخروج ممكن، لأنّ البلاد كلّها له و عالم الوجود كلّه ملكه الواسع،
[١]- كلمة «معجزين» مشتقّة من مادة «عجز»، و معناها في الأصل التخلّف و التأخر عن الشيء، و لذلك تستعمل هذه الكلمة في الضعف الباعث على التخلف و التأخر، «المعجزة» معناه الذي يجعل الآخر عاجزا، و حيث أن الأفراد الذين يفرون من سلطان أحد و قدرته، يعجزونه عن ملاحقتهم، لذلك استعملت كلمة «معجز» في هذا الصدد أيضا ...