الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦١ - الآيسون من رحمة اللّه
هذا و إن كلمة «النشأة» في الأصل، تعني إيجاد الشيء و تربيته، و قد يعبر أحيانا عن الدنيا بالنشأة الأولى، كما يعبر عن الأخرى بالنشأة الآخرة!.
و هذه اللطيفة جديرة بالملاحظة، و هي أنّ في ذيل الآيات السابقة ورد التعبير «إن ذلك على اللّه يسير» و ورد التعبير هنا إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
و لعل منشأ التفاوت و الاختلاف هو أن الآية الأولى تعالج مطالعة محدودة، أمّا الثّانية فتعالج و تبيّن مطالعة وسيعة جدّا.
ثمّ يتعرض القرآن الكريم إلى إحدى المسائل المتعلقة بالمعاد، و هي مسألة الرحمة و العذاب، فيقول: يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَ يَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَ إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ.
و مع أنّ رحمة اللّه مقدمة على غضبه، إلّا أن الآية هنا تبدأ أولا بذكر العذاب ثمّ الرحمة، لأنّها في مقام التهديد، و ما يناسب مقام التهديد هو هذا الأسلوب!.
هنا ينقدح السؤال التالي:
كيف يتحدث القرآن أوّلا عن العذاب و الرحمة، ثمّ يتحدث عن معاد الناس إليه وَ إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ؟ في حين أن القضية على العكس من ذلك، ففي البداية يحضر الناس عند ساحته، ثمّ يشملهم العذاب أو الرحمة .. و ربّما كان هذا هو السبب في أن يعتقد بعضهم أن العذاب و الرحمة المذكورين هنا هما في هذه الدنيا.
و نقول جوابا على مثل هذا السؤال: إن العذاب و الرحمة- بقرينة الآيات السابقة و اللاحقة- هما عذاب القيامة و رحمتها، و جملة وَ إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ إشارة إلى الدليل على ذلك: أي: بما أنّ معادكم إليه و كتابكم و حسابكم لديه، فالعذاب و الرحمة- أيضا- بإرادته و تحت أمره!.
و لا يبعد أن يكون العذاب و الرحمة في هذه الآية لهما معنى واسع، بحيث