منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٢٨ - بحث روائى مناسب للمقام
و بالجملة: أنّ السائل لما رأى جربزة معاوية و دهاه و مكره و احتياله في الامور و طلب الفضول في الدّنيا التبس عليه الأمر فزعم أنّ تلك الرّويّة الرّديّة الدنيّة الدنيويّة كانت في معاوية عقلا فعدّه من العقلاء كما يزعم الجهّال لبعدهم عن الأنوار العلميّة من كان له شيطنة في اقتراف الأغراض الشهوانيّة و الزّخارف الدّنياويّة عاقلا، فأجابه ٧ دفعا لا لتباسه و توضيحا لمسألته أنّ تلك القوّة الحاكمة على معاوية هي النكراء.
و النّكراء بفتح الأوّل و سكون الثاني الدهاء و الفطنة و المنكر، قال الجوهريّ في الصحاح: النّكر «بضم الأوّل و سكون» المنكر، قال اللّه تعالى: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (الكهف- ٧٥) و قد يحرّك مثل عسر و عسر. قال الشاعر: و كانوا أتوني بشيء نكر، و النّكراء مثله. انتهى قوله.
أقول: و المنكر كلّ فعل و قول تقبّحهما العقول الصحيحة الناصعة أو ما تعجز عن درك استحسانه و استقباحه فتتوقف فيه فيحكم بقبحه الشرع، فالنكراء كلّ ما قبّحه العقل أو الشرع.
ثمّ أعاد ٧ اسم الإشارة تأكيدا و تنصيصا بأنّ تلك القوّة النكراء شيطنة أي الأفعال البارزة من معاوية ليست ممّا يأمره العقل لأنّ العقل يسلك إلى ما فيه عبادة الرّحمن و اكتساب الجنان، و كلّ ما ليس كذلك فلا يأمر به بل ينكره و ينهى عن ارتكابه، و منهيّات العقل و منكراته ما يوسوس بفعلها الشيطان السائق إلى التمرّد و العصيان.
و لمّا كان الجهّال رأوا أنّ علل المعلولات المختلفة تجب أن تكون مختلفة و زعموا بالقياس أنّ الاثار المتقاربة و المعلولات المتشابهة تجب أن تكون مستندة إلى العلل المتشابهة أيضا، و ما زادهم ذلك القياس إلّا بعدا عن الحقّ، و لذا يعدّون معاوية و أشباهه السفهاء من العقلاء، بيّن الإمام ٧ بأنّ المعلولات المتشابهة قد تكون مستندة إلى العلل المختلفة أيضا. فمجرّد اشتراك القوّتين في بعض الاثار كجلب نفع و دفع ضرّ و سرعة التفطّن وجودة الحدس و أمثالها لا يوجب