منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٦١ - «اسلام أبى طالب رضوان الله عليه»
على أنّ أبا طالب لم ينأ عن النبيّ ٦ قطّ بل كان يقرب منه و يخالطه و يقوم بنصرته فكيف يكون المعنيّ بقوله: و ينأون عنه.
و قال- ره- في تفسير قوله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (القصص آية ٥٦) قيل: نزلت قوله «إنك لا تهدي من أحببت» في أبي طالب فانّ النبيّ ٦ كان يحبّ إسلامه فنزلت هذه الاية، و كان يكره إسلام وحشي قاتل حمزة فنزل فيه يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ الاية (الزّمر- ٥٤) فلم يسلم أبو طالب و أسلم وحشي و رووا ذلك عن ابن عباس و غيره.
و في هذا نظر كما ترى، فإنّ النبيّ ٦ لا يجوز أن يخالف اللَّه سبحانه في إرادته كما لا يجوز أن يخالفه في أوامره و نواهيه، و إذا كان اللَّه تعالى على ما زعم القوم لم يرد إيمان أبي طالب و أراد كفره، و أراد النبيّ إيمانه فقد حصل غاية الخلاف بين إرادتي الرسول و المرسل، فكأنه سبحانه يقول على مقتضى اعتقادهم إنك يا محمّد تريد إيمانه و لا اريد إيمانه، و لا أخلق فيه الايمان مع تكلّفه بنصرتك و بذل مجهودة في إعانتك و الذبّ عنك و محبّته لك و نعمته عليك، و تكره أنت إيمان وحشي لقتله عمّك حمزة و أنا اريد إيمانه و أخلق في قلبه الايمان و في هذا ما فيه.
و قد ذكرنا في سورة الأنعام أنّ أهل البيت : قد أجمعوا على أنّ أبا طالب مات مسلما، و تظاهرت الروايات بذلك عنهم، و أوردنا هناك طرفا من أشعاره الدالة على تصديقه للنبيّ ٦ و توحيده، فإنّ استيفاء ذلك جميعه لا تتّسع له الطوامير، و ما روي من ذلك في كتب المغازي و غيرها أكثر من أن يحصى. يكاشف فيها من كاشف النبيّ ٦ و يناضل عنه و يصحّح نبوّته.
و قال بعض الثقات: إنّ قصائده في هذا المعنى الّتي تنفث في عقد السحر و تعير وجه شعراء الدهر يبلغ قدر مجلّد و أكثر من هذا. و لا شكّ في أنه لم يختر تمام مجاهرة الأعداء استصلاحا لهم و حسن تدبيره في دفع كيادهم لئلّا يلجئوا الرسول