منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٦٩ - الحديث الاول
وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ أي خالية من العقل و التدّبر، و قال جرير: و مجاشع قصب هوت أجوافه أي خلت أجوافه، و في الصحاح كلّ خال هواء، و هدا هو المراد هنا لا الهواء المصطلح للطبيعيّين و هو جسم رقيق شفّاف كما حمله عليه صدر المتألّهين قدّس سرّه و هذا الهواء الّذي هو جسم رقيق عند العرف بمنزلة العدم.
و الحاصل أنه لا بد للرؤية من فاصلة بين الرائي و المرئي، و يتحقّق الفاصلة بعدم وجود جسم كثيف، و الأجسام الفلكيّة غير مانعة للرؤية لأنّها أشفّ و أرقّ من هذا الهواء المكتنف للأرض، فهي بمنزلة الهواء فيكون الهواء في لغة العرب أقرب من البعد المفطور الّذى يقول به بعض الفلاسفة، انتهى موضع الحاجة من نقل كلامه.
أقول: لا كلام في أنّ الهواء أحد معانيه ما ذكره كما قدّمنا البحث عن ذلك في شرح الكتاب السابع، و لكن ليس هذا المعنى بمراد في الحديث، لبطلان الخلاء أوّلا، و عدم تحقّق الرؤية بلا واسطة جسم شفاف بين الرائي و المرئي ثانيا و إن ذهب بعض إلى أنّ الواسطة كلّما كانت أرقّ كانت الرؤية أولى و أسرع كالمرئي في الهواء و الماء ثمّ قال بالقياس فلو كانت الواسطة خلاء محضا لكانت الرؤية أكمل لكن حجّته داحضة و الحقّ أنّ في الرؤية لا بدّ من توسّط جسم شفّاف كما اختاره الحكيم المولى صدرا قدّس سرّه في آخر الباب الرابع من السفر الرابع من الأسفار، و أقام فيه برهانا بما لا مزيد عليه حيث قال:
«فصل» في أنه لا بدّ في الابصار من توسط الجسم الشفّاف. و اعلم أنّ الحجة على ذلك أنّ تأثير القوى المتعلقة بالأجسام في شيء و تأثّرها عنه لا يكون إلّا بمشاركة الوضع و منشأ ذلك أنّ التأثير و التأثّر لا يكون إلّا بين شيئين بينهما علاقة علّيّة و معلوليّة، و هذه العلاقة متحقّقة بالذات بين القوة و ما يتعلّق به من مادّة أو موضوع أو بدن، لأنّها إمّا علّة ذاته أو علّة تشخّصه أو كماله، و متحقّقة بالعرض بينها و بين ماله نسبة وضعيّة إلى ذلك المتعلّق به، فإنّ العلاقة الوضعيّة في الأجسام بمنزلة العلاقة العلّيّة في العقليّات إذ الوضع هو بعينه نحو وجود الجسم و تشخّصه