منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٥٤ - بحث حكمى عقلى فى ابطال رؤيته تعالى بالابصار فى الدنيا و الاخرة و يتبعه بحث روائى فى ذلك
فلمّا كانت البراهين العقليّة تمنعنا عن القول برويته تعالى بل برؤية المفارقات مطلقا سواء كانوا عقولا أو نفوسا بالأبصار فلا يصحّ لنا الأخذ بظواهر الأحاديث المرويّة في الرّؤية بل بظاهر الايات القرآنيّة الناطقة فيها، و قد نعلم قطعا أنّ اللَّه تعالى و حججه ما أرادوا معانيها الظاهرة، و لذلك تصدّى العقلاء إلى درك معانيها الحقيقيّة و حمل ظاهرها على ما يوافقه صريح العقل و صحيح النقل.
مثلا أنهم بيّنوا في قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (القيامة- ٢٣) الّذي تمسّك به الأشعريّ و أتباعه في القول بالرؤية وجوها من المعاني الصحيحة التي تناسب حكم العقل و لا يأبى عنها طباع الاية.
روى الصدوق قدّس سرّه في الباب الحادى عشر من عيون أخبار الرضا ٧ باسناده عن ابراهيم بن أبي محمود قال: قال عليّ بن موسى الرّضا ٧ في قول اللَّه تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ يعني مشرقة ينتظر ثواب ربّها.
و قال علم الهدى السيد المرتضى- ره- في كتابه غرر الفوائد و درر القلائد (ص ١٦ طبع طهران ١٢٧٢ ه):
إنّ أصحابنا قد اعتمدوا فى إبطال ما ظنّ أصحاب الرّؤية في قوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ على وجوه معروفة، لأنهم بيّنوا أنّ النظر ليس يفيد الرّؤية و لا الرّؤية من أجلّ محتملاته. و دلّوا على أنّ النظر ينقسم إلى أقسام كثيرة منها تقليب الحدقة الصحيحة حيال المرئي طلبا لرؤيته، و منها النظر الّذي هو الانتظار، و منها النظر الّذي هو التعطف و الّرحمة، و منها النظر الّذي هو الفكر و التأمّل، و قالوا: إذا لم يكن في أقسام النظر الرؤية لم يكن للقوم بظاهرها تعلّق و احتجنا جميعا إلى طلب تأويل الاية من غير جهة الرؤية، و تأوّلها بعضهم على الانتظار للثواب و إن كان المنتظر في الحقيقة محذوفا و المنتظر منه مذكورا على عادة للعرب معروفة و سلّم بعضهم أنّ النظر يكون الرؤية بالبصر و حمل الاية على رؤية أهل الجنّة لنعم اللَّه تعالى عليهم على سبيل حذف المرئي في الحقيقة، و هذا الكلام مشروح في مواضعه و قد بيّنا ما يورد عليه و ما يجاب عن الشبهة المعترضة فيه في مواضع كثيرة.